اعترافات الموساد: بين “إبداع” التلاعب التقني و“الخيبة الاستخباراتية” في غزة

2025.10.23 - 04:14
Facebook Share
طباعة

في مقابلة وُصفت بأنها من أكثر المقابلات إثارة للجدل، كشف رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية الأسبق يوسي كوهين، عن تفاصيل غير مسبوقة حول واحدة من أكثر استراتيجيات الموساد سرية وتعقيدًا، وهي “التلاعب بأجهزة الاتصال” في الدول التي تُعد عدوًا أو خصمًا محتملاً لإسرائيل.

وجاءت تصريحات كوهين خلال حواره مع بودكاست "ذا برينك" (The Brink)، الذي يقدّمه الإعلامي البريطاني اليهودي جيك واليس سيمونز وضابط سلاح المظلات الأمريكي السابق أندرو فوكس، حيث تحدث الرئيس الأسبق للموساد بصراحة لافتة عن دور هذه التقنية في "حسم الحروب قبل أن تبدأ"، على حد تعبيره.

"غزوة البيجر".. نموذج للتلاعب التقني

قال كوهين، الذي خدم في الموساد 38 عامًا وأشرف على عملية سرقة الأرشيف النووي الإيراني في أبريل 2021، إن تطوير فكرة التلاعب بمعدات الاتصال بدأ مطلع الألفية الجديدة، لتحوّلها إسرائيل لاحقًا إلى “سلاح استراتيجي” فعال.
وأشار إلى أن الموساد نجح في تحويل أجهزة الاتصال إلى أدوات تجسس وتفجير عن بُعد، في ما وصفه بـ"عملية متكاملة للتحكم بالخصم من داخله".

وضرب مثالًا بعملية تفجير أجهزة النداء (البيجر) في لبنان خلال سبتمبر 2024، التي أودت بحياة العشرات من عناصر حزب الله، معتبرًا إياها “تجسيدًا لقدرة إسرائيل على التلاعب بذاكرة الأجهزة الإلكترونية والتحكم بها عن بعد”.

وأضاف بابتسامة يملؤها الزهو: "غزوة البيجر لم تكن إلا جزءًا من عملية أوسع نطاقًا للتلاعب بأحدث أجهزة الاتصال في جميع أنحاء العالم."

اختراق سلاسل التوريد: “أن تكون جزءًا غير مرئي”

وأوضح كوهين أن نقطة التحول في تطوير هذه الاستراتيجية تمثلت في اختراق سلاسل توريد المعدات التقنية إلى الدول والمنظمات المستهدفة، بحيث تتمكن إسرائيل من إدخال برامجها وأدواتها الخاصة في أي جهاز يُشترى من الخارج.

وقال نصًا: "إذا علمت أن إيران أو أي دولة أخرى تشتري شيئًا ما، يمكنني أن أكون جزءًا غير مرئي من سلسلة استيرادهم لذلك الشيء."

وأضاف أن هذه الاستراتيجية جُرّبت فعليًا منذ حرب لبنان الثانية عام 2006، وأن “المعدات المخترقة إسرائيليًا منتشرة اليوم في كل مسرح عمليات محتمل تقريبًا، وفي كل الدول التي يمكن تخيّلها”.

"الاستثناء الغزّي": خيبة استخباراتية لا تُمحى

لكن النغمة تغيّرت فجأة عندما تطرّق كوهين إلى جبهة غزة، التي وصفها بأنها “الاستثناء المؤلم” في تاريخ الموساد.
فعلى الرغم من فخره بإنجازات الجهاز في مجالات التلاعب التكنولوجي، اعترف بفشل إسرائيل في اختراق البنية الاتصالية داخل القطاع قبل هجوم 7 أكتوبر 2023، قائلاً:

> "كنا نعرف شيئًا عن قدومهم، أليس كذلك؟ كان المفروض أن نبيع لهم كل الأجهزة.. ببساطة، كل شيء يمكن اختراقه."

وكشف عن صراعات داخلية بين الموساد من جهة، وجهاز الأمن العام (الشاباك) ومديرية استخبارات الجيش الإسرائيلي من جهة أخرى، حين حاول تولي مسؤولية العمليات الاستخباراتية الخاصة بغزة.
ووصف تلك الصراعات بأنها “ثقافة الغطرسة المؤسسية” داخل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، قائلًا:

"في تلك المؤسسات يقولون دائمًا: نحن بخير، لسنا بحاجة إليكم، نحن جيش الدفاع الإسرائيلي، نحن الشاباك."

بين الغرور التقني والعمى الاستخباراتي

تبدو اعترافات كوهين مزيجًا بين التباهي التقني والمرارة الاستخباراتية، إذ يعرض بفخر ما يراه “إبداعًا إسرائيليًا في السيطرة على التقنية العالمية”، لكنه يعترف ضمنيًا بأن هذه القدرات لم تمنع أكبر إخفاق استخباراتي في تاريخ إسرائيل الحديث.

وبينما يتحدث عن “تفخيخ الأجهزة” في بيروت أو طهران، تبقى غزة، بكل تعقيدها وتشابكها الأمني، الجبهة التي كسرت وهم "العين التي لا تنام"، لتكشف عن فجوةٍ عميقةٍ بين ذكاء الآلة وغفلة العقل البشري الإسرائيلي. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 10