تتجه الأنظار مجدداً إلى قطاع غزة، الذي يشهد مرحلة دقيقة من إعادة التموضع السياسي والميداني، بعدما أعلن القيادي في حركة «حماس» خليل الحية، مساء أمس، أن الحركة ستدخل اليوم مناطق جديدة داخل القطاع للبحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين، في خطوة تحمل أبعاداً إنسانية وسياسية متشابكة، تأتي في ظل ضغوط أميركية وإسرائيلية متصاعدة لتسريع هذا الملف الذي يُعد من أكثر القضايا حساسية في مرحلة ما بعد الحرب.
أبعاد التحرك الميداني:
إعلان الحية تزامن مع تحرك ميداني مصري واضح، تمثل في دخول معدات وآليات من معبر رفح باتجاه مناطق جنوب القطاع، للمساعدة في عمليات البحث عن الجثث، ما يشير إلى وجود تنسيق ميداني وأمني بين القاهرة وحركة حماس تحت غطاء إنساني.
وتؤكد مصادر ميدانية لوسائل الإعلام محلية أن بعض المواقع المستهدفة بالبحث كانت مناطق اشتباك عنيفة خلال الأشهر الماضية، ما يعقّد عمليات استخراج الجثث التي يُعتقد أن بعضها مدفون تحت أنقاض واسعة.
ضغوط إسرائيلية وأميركية:
في المقابل، تشهد إسرائيل توتراً داخليًا متزايدًا، تُرجم في تظاهرات ضخمة لعشرات الآلاف في تل أبيب ومدن أخرى للمطالبة باستعادة رفات 13 رهينة لا تزال جثامينهم داخل غزة.
ووفقًا لمصادر إسرائيلية، فقد تسلّمت تل أبيب حتى الآن رفات 15 رهينة في إطار اتفاق وقف إطلاق النار، لكنّ الضغط الشعبي على حكومة نتنياهو يتصاعد يومًا بعد يوم مع عجزها عن تحقيق اختراق ملموس في هذا الملف.
أما على الجانب الأميركي، فقد رفع الرئيس دونالد ترامب منسوب الضغط على «حماس»، مهدّدًا عبر منصته «تروث سوشيال» بأن المجتمع الدولي سيُقدِم على خطوات «حاسمة» إذا لم تُسلّم الحركة الجثامين خلال مهلة 48 ساعة وأشار ترامب إلى أن بعض الرفات «يصعب الوصول إليها»، لكنه شدّد على أن بعضها الآخر يمكن إعادته فورًا، في إشارة إلى نفاد صبر واشنطن من بطء التقدّم في هذا الملف، وربما إلى رغبتها في تحقيق اختراق إنساني يمهّد لمسار سياسي أوسع.
حسابات حماس:
في المقابل، تحاول «حماس» إدارة الملف بحذر بالغ، فهي تدرك أن تقديم تنازلات سريعة قد يُفقدها ورقة تفاوض مهمة في أي تسوية محتملة تخصّ مستقبل غزة ومن هنا جاء إعلان الحية أن الحركة ستسلّم جميع السلطات الإدارية والأمنية للجنة مؤقتة مستقلة، في خطوة تُظهر استعدادها النظري للانخراط في ترتيبات جديدة لإدارة القطاع، لكن دون أن تتخلى فعليًا عن موقعها الميداني ونفوذها الأمني.
ويرى مراقبون أن هذا الطرح ليس جديداً تماماً، إذ سبق للحركة أن تحدثت عن نقل السلطة إلى إدارة مؤقتة من شخصيات مستقلة، إلا أن عدم تشكيل اللجنة حتى الآن عكس غياب التوافق الفلسطيني الداخلي، فضلاً عن التباين في المواقف بين الأطراف الإقليمية حول من يتولى فعلياً إدارة غزة بعد الحرب.
توازنات ما بعد الحرب:
المشهد العام يشير إلى أن ملف جثث الرهائن تحوّل إلى ورقة ضغط مزدوجة: تستخدمها إسرائيل لتحميل «حماس» مسؤولية إنسانية أمام المجتمع الدولي، فيما تستخدمها الحركة لتثبيت حضورها كطرف لا يمكن تجاوزه في ترتيبات ما بعد الحرب.
وبين هذين الخطّين، تتحرك القاهرة لضبط التوازنات، وتعمل واشنطن على تحويل أي اختراق إنساني إلى مدخل سياسي يفتح باب التفاهمات المستقبلية بشأن غزة والضفة الغربية والعلاقة الفلسطينية الإسرائيلية عمومًا.
ويُجمع دبلوماسيون غربيون على أن ما يجري في غزة اليوم يتجاوز الطابع الإنساني البحت، إذ يشكّل اختبارًا حقيقيًا لإمكانية إعادة بناء الثقة بين الأطراف، تمهيدًا لمرحلة تفاوضية جديدة قد تتبلور في الأسابيع المقبلة، إذا نجح الوسطاء في تحويل هذا الملف الإنساني إلى جسر سياسي بدلاً من أن يكون سببًا إضافيًا لاستمرار التوتر.