شهد الخطاب السياسي الصادر عن دمشق خلال الفترة الأخيرة تصعيدًا لافتًا تجاه “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، في مؤشر على تحوّل واضح في مقاربة الدولة لملف شمال شرقي سوريا، ولا سيما ما يتعلق بالعلاقة بين “قسد” والمكوّن الكردي.
ويظهر هذا التحول من خلال تحميل “قسد” مسؤولية احتكار القرار الكردي، وربطها سياسيًا وتنظيميًا بحزب “العمال الكردستاني” (PKK)، في توصيف علني وغير مسبوق يضع “قسد” خارج إطار التمثيل الوطني، ويعيد تعريفها كتنظيم مرتبط بأجندات خارجية، لا تعبّر عن تطلعات الكرد السوريين.
ويرى متابعون أن هذا الخطاب لم يعد يكتفي بالتلميح أو الانتقاد غير المباشر، بل انتقل إلى مستوى الاتهام السياسي الصريح، في محاولة لنزع الشرعية الوطنية عن “قسد”، وفتح الطريق أمام مقاربة جديدة تقوم على الفصل بين المكوّن الكردي السوري كجزء أصيل من المجتمع، وبين تنظيم مسلح يُتهم بالارتهان لقرارات خارج الحدود.
ويُفسَّر هذا التحول، وفق قراءات سياسية، بأنه نتيجة تراكمات ميدانية وأمنية خلال الأشهر الماضية، ولا سيما في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، حيث كشفت التطورات هناك، بحسب هذه القراءات، عن تعدد مراكز القرار داخل “قسد”، ووجود أطراف غير سورية تؤثر على توجهاتها، ما اعتُبر إخلالًا بمبدأ السيادة، وتعطيلًا لمسارات التفاوض التي كانت قائمة.
وتشير التحليلات إلى أن ربط “قسد” بحزب “العمال الكردستاني” جاء أيضًا لتفسير تعثر الحوار بين الطرفين، بعد سلسلة من الخروقات والتوترات الميدانية، ما دفع الدولة إلى إعادة توصيف المشكلة باعتبارها ليست خلافًا مع المكوّن الكردي، بل مع تنظيم مسلح يحتكر تمثيله.
في موازاة التصعيد السياسي، أصدرت الدولة مرسومًا جديدًا يمنح الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصول كردية المقيمين في البلاد، بمن فيهم مكتومو القيد، ويلغي الإجراءات الاستثنائية الناتجة عن إحصاء محافظة الحسكة عام 1962، في خطوة وُصفت بأنها مفصلية في مسار معالجة الملف الكردي.
وشمل المرسوم اعترافًا باللغة الكردية كلغة وطنية، والسماح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة ضمن المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية، إضافة إلى اعتماد عيد النوروز عطلة وطنية رسمية، باعتباره مناسبة ثقافية جامعة تعكس قيم التآخي والتنوع.
كما أكد المرسوم التزام الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي، وضمان حقوق المواطنين الكرد في الحفاظ على تراثهم وفنونهم وتطوير لغتهم الأم، ضمن إطار السيادة الوطنية، إلى جانب اعتماد خطاب وطني جامع في المؤسسات الإعلامية والتربوية، وتجريم أي تحريض على التمييز أو الفتنة القومية.
ويرى مراقبون أن توقيت صدور هذا المرسوم يحمل دلالات سياسية واضحة، إذ يتزامن مع تصعيد الخطاب ضد “قسد”، بما يعكس سعيًا لفك الارتباط بينها وبين المكوّن الكردي، وتوجيه رسالة مفادها أن الدولة تميّز بين الحقوق المشروعة للكرد السوريين، وبين تنظيم مسلح لا يحظى بإجماعهم.
وتشير قراءات سياسية إلى أن هذه الخطوات تهدف إلى إضعاف “قسد” على المستوى المجتمعي، عبر نسف سرديتها بأنها الممثل الوحيد للكرد، وإبراز وجود تيارات كردية وطنية لا تتبنى مشروعها ولا تتفق مع ارتباطاتها الخارجية، ما يفتح المجال لإعادة تشكيل المشهد الكردي بعيدًا عن هيمنة السلاح.
كما يرى محللون أن الجمع بين المسار السياسي ـ القانوني، المتمثل بالمرسوم، والمسار الخطابي التصعيدي، يمنح الدولة هامشًا أوسع للتحرك، سواء على مستوى التفاوض أو عبر أدوات أمنية وعسكرية، مع التأكيد أن أي خطوات محتملة لا تستهدف المكوّن الكردي بقدر ما تستهدف تنظيمًا مسلحًا بعينه.
في المقابل، عبّرت جهات سياسية في شمال شرقي سوريا عن تحفظها على المرسوم، معتبرة أنه لا يلبّي طموحات السوريين كافة، وأن الحقوق لا يمكن ضمانها عبر إجراءات مؤقتة، بل من خلال دستور دائم يعكس إرادة جميع المكونات، ويؤسس لدولة ديمقراطية قائمة على العدالة والمساواة.
وطالبت هذه الجهات بصياغة عقد دستوري جديد يحمي حقوق جميع المكونات والمجتمعات السورية، ويكرّس التعددية بوصفها مصدر قوة للبلاد، لا سببًا للصراع.
وفي المحصلة، يبدو أن دمشق تمضي في مسار مزدوج يقوم على الاعتراف الصريح بالحقوق الكردية من جهة، ومواجهة “قسد” سياسيًا وإعلاميًا من جهة أخرى، في محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمكوّن الكردي، وفصل قضيته الوطنية عن صراعات النفوذ والأجندات العابرة للحدود، ضمن سياق أوسع يهدف إلى بسط السيادة وإعادة توحيد القرار السوري.