أعاد مرسوم رئاسي صدر مؤخرًا إلى الواجهة واحدة من أقدم القضايا الحقوقية في سوريا، والمتعلقة بحرمان عشرات الآلاف من المواطنين الأكراد من الجنسية السورية، وهي قضية تعود جذورها إلى أكثر من ستة عقود، وتركت آثارًا عميقة على حياة أجيال متعاقبة.
وجاء المرسوم ليؤكد الاعتراف الكامل بالمواطنين الأكراد بوصفهم جزءًا أصيلًا من المجتمع السوري، وليقر بحقوقهم المدنية والثقافية واللغوية، ويمنح الجنسية السورية لجميع من جُرّدوا منها سابقًا، بمن فيهم من عُرفوا بـ”مكتومي القيد”، مع إلغاء جميع الآثار القانونية المترتبة على السياسات الاستثنائية التي فُرضت في ستينيات القرن الماضي.
لكن هذا التطور فتح باب التساؤل مجددًا حول خلفية هذه القضية: لماذا حُرم بعض أكراد سوريا من الجنسية أصلًا؟ ومتى بدأ ذلك؟
جذور الوجود الكردي في سوريا
يعود الوجود الكردي في سوريا إلى مسارين تاريخيين متداخلين. الأول قديم، يعود إلى قرون طويلة، حيث استقرت جماعات كردية في مناطق عدة مثل دمشق، ولا سيما في حي ركن الدين، وفي الساحل السوري، وأجزاء من وسط البلاد وشمالها. وقد اندمج هذا الوجود مبكرًا في النسيج الاجتماعي السوري، وشارك في الحياة الاقتصادية والثقافية دون أن يشكّل عامل صدام مع الدولة.
أما المسار الثاني، فيعود إلى القرن العشرين، حين شهدت مناطق شمال وشرق سوريا موجات هجرة كردية من الأناضول، استقر أصحابها في الجزيرة السورية، خصوصًا في الحسكة ومحيطها. وقد حصل هؤلاء على الوثائق السورية، وشاركوا في الزراعة والتجارة والحياة العامة، بوصفهم مواطنين كاملي الحقوق.
نقطة التحول: إحصاء عام 1962
شكّل عام 1962 نقطة التحول المفصلية في هذه القضية. ففي ذلك العام، أُجري إحصاء استثنائي في محافظة الحسكة خلال يوم واحد فقط، وبشروط صارمة اشترطت على السكان إثبات إقامتهم في سوريا قبل عام 1945.
ونتيجة هذا الإحصاء، جُرّد نحو 120 ألف كردي من الجنسية السورية، وصُنّفوا في فئتين:
فئة “الأجانب”، وهم مسجلون رسميًا لكن من دون جنسية.
فئة “مكتومي القيد”، وهم غير مسجلين أساسًا في السجلات المدنية، ولا وجود قانونيًا لهم.
ومع مرور الزمن، تضاعف عدد المتضررين بسبب انتقال حالة انعدام الجنسية إلى الأبناء والأحفاد، ليصل العدد إلى مئات الآلاف.
ما الذي ترتب على سحب الجنسية؟
لم يكن سحب الجنسية إجراءً شكليًا، بل خلّف آثارًا قاسية على مختلف جوانب الحياة. فقد حُرم المتضررون من حق التملك، ومنعوا من تسجيل العقارات بأسمائهم، كما واجهوا صعوبات كبيرة في التعليم العالي، والتوظيف في مؤسسات الدولة، والحصول على جوازات سفر.
كما انعكس ذلك على الحياة الاجتماعية، إذ واجه كثيرون مشكلات في تثبيت الزواج أو تسجيل الأبناء، ما جعل انعدام الجنسية عبئًا قانونيًا وإنسانيًا مستمرًا، لا يقتصر على فرد واحد بل يمتد إلى أسر كاملة.
لماذا لم تشمل المشكلة كل أكراد سوريا؟
اقتصرت آثار إحصاء 1962 على محافظة الحسكة فقط، ما يعني أن أكراد المدن الأخرى، مثل حلب ودمشق وعفرين، احتفظوا بجنسيتهم السورية. ويُعد أكراد حلب مثالًا بارزًا، إذ تعود جذور وجودهم في المدينة إلى ما قبل قيام الدولة السورية الحديثة، ولم يتأثروا بالإجراءات الاستثنائية.
محاولات سابقة للحل
شهدت السنوات الماضية محاولات جزئية لمعالجة هذه القضية، أبرزها مرسوم صدر عام 2011، منح الجنسية لشريحة من “أجانب الحسكة”، لكنه لم يشمل جميع المتضررين، واستثنى عددًا كبيرًا من مكتومي القيد، كما لم يُلغِ الأساس القانوني الذي بُني عليه إحصاء 1962.
لذلك بقيت المشكلة قائمة، وإنْ بشكل جزئي، واستمرت آثارها القانونية والاجتماعية.
ما الذي يميّز المرسوم الجديد؟
يختلف المرسوم الأخير من حيث شموليته، إذ ألغى بشكل صريح جميع الآثار القانونية المترتبة على إحصاء 1962، ومنح الجنسية السورية لكل من حُرم منها دون استثناء، مع تأكيد المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات.
كما أقرّ المرسوم بالهوية الثقافية واللغوية الكردية باعتبارها جزءًا من الهوية الوطنية السورية، واعترف باللغة الكردية كلغة وطنية، مع السماح بتدريسها في المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية، واعتماد عيد النوروز عطلة وطنية.
ويرى مراقبون أن هذا التحول ينقل القضية من إطارها الإداري والأمني القديم إلى مستوى الحقوق الدستورية، ويفتح الباب أمام مقاربة جديدة لعلاقة الدولة بمكوناتها القومية، تقوم على الاعتراف والمواطنة المتساوية ضمن هوية وطنية جامعة.