مع عودة مساحات واسعة من حقول النفط والسدود الاستراتيجية إلى إشراف الدولة، يتصدر ملف الطاقة المشهد الاقتصادي السوري من جديد، وسط آمال بتحسن واقع الكهرباء وتقليص الاعتماد على الاستيراد، يقابلها حذر واسع من صعوبة التحديات التقنية والمالية المتراكمة خلال سنوات طويلة من التراجع.
هذه التطورات أعادت فتح النقاش حول مستقبل النفط والغاز والطاقة الكهرومائية، ومدى قدرة هذه الموارد على إحداث تحول فعلي في واقع الاقتصاد والخدمات، خصوصاً في ملف الكهرباء الذي يعاني من تقنين قاسٍ طال مختلف مناحي الحياة.
في هذا السياق، أعلنت الجهات المعنية في قطاع النفط عن اهتمام شركات دولية بالعودة إلى الاستثمار في الحقول السورية، ولا سيما في مجال الغاز، في مؤشر اعتبره مراقبون خطوة إيجابية نحو إعادة تنشيط القطاع، وجذب رؤوس أموال وخبرات تقنية تحتاجها البلاد بشدة.
استعادة الحقول… خطوة مهمة ولكن غير كافية
يرى خبراء اقتصاديون أن عودة حقول النفط والسدود إلى إدارة الدولة تمثل مكسباً سيادياً واقتصادياً مهماً، لكنها لا تعني بالضرورة تحقيق اكتفاء ذاتي سريع في الطاقة أو وقف استيراد المشتقات النفطية في المدى القريب. فالإنتاج الحالي، وخاصة من الغاز الطبيعي، لا يزال دون مستوى الطلب المحلي بكثير.
وتشير التقديرات إلى أن إنتاج الغاز اليومي لا يغطي سوى جزء من احتياجات محطات توليد الكهرباء، فضلاً عن حاجة القطاعات الصناعية الثقيلة مثل الإسمنت والحديد والأسمدة إلى كميات كبيرة من الغاز، ما يفرض استمرار الاستيراد لتلبية الطلب.
كما أن إعادة رفع الإنتاج النفطي إلى مستويات ما قبل عام 2011 تتطلب وقتاً واستثمارات ضخمة، تشمل إعادة تأهيل الآبار المتضررة، وبناء معامل غاز جديدة، وصيانة شبكات النقل والتكرير التي تعرضت لتخريب واسع.
أرقام تكشف حجم الفجوة
وفق تقديرات فنية، تحتاج محطات توليد الكهرباء وحدها إلى كميات من الغاز تفوق الإنتاج المحلي الحالي، بينما يتطلب تشغيل المنشآت الصناعية كميات إضافية، ما يضع الحكومة أمام معادلة صعبة بين زيادة الإنتاج المحلي وتحمل كلفة الاستيراد المرتفعة.
وتزداد التحديات مع واقع أن عدداً من الحقول المستعادة يحتاج إلى صيانة شاملة، وأن بعض العقود السابقة مع شركات دولية تحتاج إلى إعادة تفاوض وتنظيم، بما يضمن حقوق الدولة ويشجع المستثمرين على العودة.
الكهرباء… تحسن محتمل بشروط
فيما يتعلق بالكهرباء، يُتوقع أن تسهم استعادة السدود الكبرى في زيادة الإنتاج الكهرومائي، الأمر الذي قد ينعكس تحسناً نسبياً في ساعات التغذية، لكن هذا التحسن يبقى مشروطاً بإعادة تأهيل العنفات والشبكات.
فالسدود الرئيسية، وعلى رأسها سد الفرات، تمتلك قدرات نظرية كبيرة، إلا أن إنتاجها الفعلي حالياً لا يعكس هذه الإمكانات، نتيجة تراجع الوارد المائي، وتأثيرات التغير المناخي، وتهالك المعدات، إضافة إلى ضعف كفاءة النقل الكهربائي.
وتشير التقديرات إلى أن العنفات العاملة حالياً لا تنتج سوى جزء محدود من قدرتها التصميمية، ما يستدعي استثمارات كبيرة في الصيانة والتحديث، وربما استبدال بعض العنفات بالكامل.
تحديات إضافية أمام النفط والغاز
من جهة أخرى، يلفت خبراء إلى أن جزءاً من الحقول النفطية لم يعد إلى إشراف الدولة بعد، وأن الحقول المستعادة نفسها تعرضت خلال السنوات الماضية لعمليات استنزاف بوسائل بدائية وغير قانونية، أثرت سلباً على المخزون النفطي والغازي.
كما أن دورة إعادة تشغيل الحقول ليست فورية، إذ تحتاج الحقول إلى فترات زمنية طويلة للعودة التدريجية للإنتاج، وقد يستغرق الوصول إلى مستويات إنتاج مقبولة عدة سنوات في حال توافرت الاستثمارات والخبرات المطلوبة.
نحو تنويع مصادر الطاقة
في ضوء هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة كخيار استراتيجي لا غنى عنه، يشمل التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية، إلى جانب تحسين استثمار الطاقة الكهرومائية، لتخفيف الضغط عن النفط والغاز.
ويُنظر إلى عودة السدود كفرصة لدعم هذا التوجه، خصوصاً في حال تحسن الوارد المائي، ما قد يسهم أيضاً في تنشيط القطاع الزراعي وتحسين الأمن الغذائي.
الأمن والحوكمة… شرط النجاح
لا تقتصر التحديات على الجوانب الفنية فقط، بل تمتد إلى ضرورة تأمين الحماية الأمنية لحقول النفط والبنية التحتية، وضمان بيئة استثمارية مستقرة تقوم على سياسات اقتصادية واضحة، وشفافية إدارية، وحوكمة فعالة.
ويرى مختصون أن نجاح استثمار الثروات الوطنية مرهون بقدرة الدولة على توفير هذه الشروط، إلى جانب بناء شراكات دولية متوازنة تخدم المصلحة الوطنية، وتفتح الباب أمام إعادة إعمار قطاع الطاقة على أسس مستدامة.
في المحصلة، تبدو عودة حقول النفط والسدود خطوة بالغة الأهمية، لكنها تشكل بداية مسار طويل ومعقد، لا يمكن اختزاله بوعود سريعة، بل يتطلب رؤية واضحة، واستثمارات كبيرة، وإدارة رشيدة لتحويل هذه الثروات إلى مكاسب ملموسة للمواطن والاقتصاد.