ستارغيت رهان أميركي لاستعادة التفوق التكنولوجي العالمي

2026.01.22 - 09:23
Facebook Share
طباعة

 يُعد مشروع ستارغيت أحد أبرز المبادرات الأميركية الطموحة في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ يهدف إلى إنشاء شبكة واسعة من مراكز البيانات الضخمة داخل الولايات المتحدة، تشمل عددًا من الولايات من بينها تكساس، وتضم منشآت عالية السعة مزودة بأحدث تقنيات الحوسبة والطاقة، المصممة خصيصًا لتلبية متطلبات تدريب وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

ويستند المشروع إلى شراكات مع كبرى شركات التكنولوجيا العالمية، في مقدمتها إنفيديا المتخصصة في تصميم الشرائح والمعالجات عالية الأداء، ومايكروسوفت في مجال الحوسبة السحابية، إضافة إلى أوراكل وآرم، بما يوفّر منظومة تقنية متكاملة قادرة على دعم أحمال الذكاء الاصطناعي على نطاق غير مسبوق.


النشأة والإطلاق
أُطلق مشروع ستارغيت رسميًا في 21 يناير/كانون الثاني 2025، عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عنه من قاعة روزفلت في البيت الأبيض، بعد أقل من 24 ساعة من توليه منصبه. وجاء الإعلان في سياق توجه أوسع تبنته الإدارة الأميركية الجديدة لوضع الذكاء الاصطناعي في صدارة أولويات السياسة الاقتصادية والتكنولوجية.

ويُنظر إلى ستارغيت بوصفه حجر الأساس لخطة شاملة لا تكتفي بامتلاك أقوى الأنظمة الذكية، بل تركز على توظيف الذكاء الاصطناعي لإحداث تحولات هيكلية في الاقتصاد، والخدمات العامة، والصحة، والبحث العلمي، إضافة إلى مجالات الدفاع والأمن القومي.

ويعكس المشروع رؤية تقوم على تعزيز دور القطاع الخاص بوصفه محركًا رئيسيًا للابتكار، ضمن بيئة تنظيمية مرنة تهدف إلى تسريع التطوير والاستثمار، مع تقليل القيود البيروقراطية التي قد تعيق النمو في هذا القطاع الحيوي.


بنية تحتية متعددة المراحل
صُمم ستارغيت ليُنفّذ عبر مواقع متعددة ومراحل متتابعة، مع طموح معلن لأن يصبح أكبر مشروع لبناء بنية تحتية مخصصة للذكاء الاصطناعي في التاريخ. وتركز كل مرحلة على إضافة قدرات جديدة في مجالات الحوسبة والتخزين والشبكات، بما يتيح تدريب نماذج ضخمة للغاية وتنفيذ عمليات الاستدلال على نطاق واسع.

ويقوم المشروع على منطق اقتصادي مرن يتحرك وفق آليات السوق، بل يسعى إلى استباق الطلب المتنامي على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، في ظل تسارع الاعتماد العالمي على هذه التقنيات.


التوسع الدولي
في مايو/أيار 2025، انتقل المشروع إلى بعد دولي مع الإعلان عن شراكة بين أوبن أي آي والإمارات العربية المتحدة لإطلاق مشروع “ستارغيت الإمارات”، وهو مركز بيانات بقدرة إجمالية تبلغ غيغاواط واحد في أبو ظبي، على أن يبدأ تشغيل 200 ميغاواط منه خلال عام 2026.

ويُعد هذا المشروع أول توسع لمبادرة ستارغيت خارج الولايات المتحدة، وجزءًا من مبادرة أوبن أي آي المعروفة باسم “أوبن أي آي من أجل الدول”، وجاء ضمن مركز بيانات أوسع بقدرة 5 غيغاواط، مع التزام إماراتي بضخ استثمارات موازية في البنية التحتية الأميركية للذكاء الاصطناعي.

وفي يوليو/تموز 2025، أعلنت أوبن أي آي وأوراكل عن خطط لتطوير 4.5 غيغاواط إضافية من سعة مراكز البيانات، لترتفع السعة الإجمالية قيد التطوير ضمن ستارغيت إلى أكثر من 5 غيغاواط، مدعومة بأكثر من مليوني شريحة ذكاء اصطناعي. وفي الشهر ذاته، أُطلقت أول منشأة أوروبية للمبادرة في النرويج بقيمة مليار دولار.


توطين الصناعة
في أغسطس/آب 2025، عزز المشروع بُعده الصناعي مع إعلان سوفت بنك استحواذها على منشأة تابعة لشركة فوكسكون في ولاية أوهايو مقابل 375 مليون دولار، بهدف إعادة تهيئتها لتصنيع خوادم ومعدات الذكاء الاصطناعي المخصصة لمشروع ستارغيت، في خطوة تستهدف بناء سلسلة إنتاج محلية متكاملة.

وفي سبتمبر/أيلول 2025، أُعلن عن بناء خمسة مراكز بيانات جديدة داخل الولايات المتحدة، موزعة على تكساس ونيو مكسيكو وأوهايو، إضافة إلى موقع في الغرب الأوسط، إلى جانب توسعة موقع أبيلين في تكساس بقدرة 600 ميغاواط.

ووفق التقديرات، ستسهم هذه المشاريع في توفير أكثر من 25 ألف فرصة عمل، ما يعكس البعد الاقتصادي المباشر للتوسع في البنية التحتية الرقمية.


الأهداف الإستراتيجية
يأتي مشروع ستارغيت ضمن إستراتيجية أميركية أوسع تهدف إلى تعزيز موقع الولايات المتحدة في التنافس التكنولوجي مع الصين، والحفاظ على التفوق الأميركي في مجال الذكاء الاصطناعي، الذي بات يُنظر إليه بوصفه أحد أعمدة القوة العالمية.

وإلى جانب الأهداف الاقتصادية، التي تشمل توفير ما يقارب 100 ألف فرصة عمل على المدى المتوسط، يكتسب المشروع بعدًا جيوسياسيًا، حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة لتكريس النفوذ الأميركي في النظام الدولي.

كما تسعى الإدارة الأميركية إلى دمج هذه القدرات ضمن منظومة الأمن القومي، بما يوفّر أدوات متقدمة في مجالات التحليل الاستخباراتي، والدفاع السيبراني، وإدارة الأزمات.


شراكات وتحالفات
يعتمد ستارغيت على شبكة واسعة من الشراكات الإستراتيجية تجمع بين التمويل والرؤية التقنية والبنية التحتية. ويضم التحالف شركات مثل مايكروسوفت، إنفيديا، أوراكل، وآرم، مستندًا إلى علاقات تعاون طويلة الأمد، تعود في بعضها إلى عام 2016.

وتتوزع الأدوار داخل المشروع على نحو واضح؛ إذ توفر مايكروسوفت الدعم المالي والإستراتيجي، بينما تقود أوبن أي آي الرؤية التقنية والإدارة التشغيلية، وتضطلع أوراكل بدور محوري في تشغيل البنية التحتية السحابية وإدارة الأنظمة الخلفية.

ويرأس مجلس إدارة المشروع ماسايوشي سون، المؤسس والرئيس التنفيذي لسوفت بنك. وعند الإعلان الرسمي، أعلن القائمون على المشروع نيتهم ضخ استثمارات تصل إلى 500 مليار دولار لبناء بنية تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة.


يمثل مشروع ستارغيت تحولًا نوعيًا في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع الذكاء الاصطناعي، من كونه أداة تقنية إلى كونه ركيزة اقتصادية وجيوسياسية. ويعكس المشروع إدراكًا متزايدًا بأن التفوق في هذا المجال لم يعد خيارًا، بل شرطًا أساسيًا للحفاظ على موقع الريادة في النظام الدولي المتغير.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 8