العملة الجديدة: ورقة سيادية لإعادة رسم الجغرافيا السورية

2026.01.23 - 06:02
Facebook Share
طباعة

الفساد في التجربة السورية لم يكن مجرد خلل إداري عابر، شكّل نمط حكم قائم بذاته، وآلية لإدارة الموارد والولاءات في الوقت نفسه، العملة ليست مجرد أداة تبادل، كما أنّها أحد أهم تجليات السيادة، وتختزل معنى الدولة في القدرة على فرض القواعد الاقتصادية وإعادة إنتاج الشرعية إصدار عملة سورية جديدة لا يُنظر إليه كإجراء نقدي تقني محايد، يعتبر فعلًا سياسي–اقتصادي مركزي في معركة الدولة لاستعادة وحدتها وإعادة رسم جغرافيتها السياسية.
على امتداد سنوات الصراع، اعتُبر الاقتصاد وسيلة لإدارة الانهيار وتدوير الخسائر، وليس رافعة لإعادة بناء الدولة هذا المنظور حوّل السياسة النقدية إلى ممارسة دفاعية، بينما تُظهر التجارب الدولية أن الاقتصاد هو المجال الأول لإعادة توحيد الدولة، وضبط السوق، وفرض قواعد مالية موحدة، ما يعيد تنظيم العلاقة بين المركز والأطراف.
إعادة بناء الدولة تتطلب تحويل أدوات السياسة النقدية إلى رافعة للانضباط الاقتصادي، توحيد النظام المالي، ضبط حركة الأموال، وربط النشاط الاقتصادي بمعايير شفافة بعيدًا عن الولاءات السياسية أو الأمنية.
يرى مراقبون أن السياسة النقدية تتحوّل إلى أداة عملية لوقف اقتصاد الامتيازات، وربط التمويل بالإنتاجية، وتفكيك منظومة الفساد إلى نظام قابل للضبط والإدارة الحديثة.
إصدار العملة الجديدة يشكّل حدثًا سياديًا، إذ يعكس العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويعيد توحيد السوق، ويضعف الأسس الاقتصادية للكيانات الموازية التي اعتمدت على أنماط نقدية منفصلة، تطبيق هذه السياسة يرتبط بتحديث الإدارة، وضبط الرواتب الحكومية، وربطها بالوظيفة الفعلية، مما يعزز الشفافية ويحد من ازدواجية الأجور.
العملة الجديدة ليست أداة مالية فقط، تؤثر على الجغرافيا السياسية، إذ تسمح بفرض المركزية الاقتصادية على المناطق التي شهدت محاولات للحكم الذاتي أو الفيدرالية غير التوافقية، هذا التوحيد النقدي يعيد دمج المواطنين في المجال الوطني المشترك، ويخلق ضغوطًا لإعادة الانخراط في الدولة، ما يجعل السياسة النقدية عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي والسياسي.
تُظهر التجربة السورية أن معركة الدولة لا تُخاض بالسلاح وحده، تُدار عبر الاقتصاد، وفي قلبه السياسة النقدية نجاح العملة الجديدة لا يرتبط بتصميمها فقط، بل بقدرتها على إعادة توحيد السوق، وفرض قواعد موحدة، وبناء الثقة بين الدولة والمواطن، لتصبح الدولة إطارًا اقتصاديًا واجتماعيًا قادرًا على إدارة التعدد وضمان الاستقرار. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 10