تشهد مناطق ريف القنيطرة الجنوبي تصعيداً ميدانياً جديداً، في ظل استمرار تحركات قوات الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، حيث سجلت خلال الأيام الماضية عمليات توغل وتحشيد عسكري وأعمال تحصين واسعة في محيط قاعدة تل أحمر غربي المحافظة، وسط مخاوف متزايدة لدى السكان المحليين من ترسيخ واقع أمني جديد يحد من حياتهم اليومية ويهدد مصادر رزقهم.
وفي تطور لافت، توغلت دورية عسكرية إسرائيلية مؤلفة من خمس آليات مدرعة داخل بلدة الرفيد بريف القنيطرة الجنوبي، حيث جابت شوارع البلدة في مشهد أثار حالة من القلق والترقب بين الأهالي. ولم تتضح بعد طبيعة المهمة التي نفذتها الدورية، أو ما إذا كانت قد أقامت حواجز مؤقتة أو نفذت عمليات تفتيش للمنازل، إلا أن مجرد دخولها إلى البلدة أعاد إلى الأذهان مشاهد سابقة من التوتر والانتهاكات المتكررة.
بالتزامن مع ذلك، شهد محيط قاعدة تل أحمر غربي القنيطرة نشاطاً هندسياً غير مسبوق، تمثل بدخول آليات حفر وجرافات ثقيلة ورافعات بناء، شرعت منذ ساعات الصباح الأولى بتنفيذ أعمال تجريف واسعة وعمليات إنشاء وتحسينات عسكرية مكثفة. وأفادت مصادر محلية بأن هذه الأعمال استمرت على مدار ساعات طويلة، وتركزت عند رأس التل وفي محيط القاعدة، في مؤشر واضح على نية الاحتلال تعزيز تحصيناته العسكرية في المنطقة.
وأوضحت المصادر أن طبيعة الأعمال تشير إلى إقامة جدار تحصيني وسواتر ترابية وخنادق دفاعية، إضافة إلى وضع كتل إسمنتية ضخمة لتعزيز النقاط العسكرية، بما يسمح بإحكام السيطرة على المواقع المشرفة على عمق ريف القنيطرة الجنوبي والغربي. ويُعتقد أن هذه التحركات تأتي في إطار خطة طويلة الأمد تهدف إلى تثبيت نقاط التمركز الإسرائيلية وتوسيع نطاق السيطرة الميدانية داخل الأراضي السورية.
ويرى مراقبون أن ما يجري في تل أحمر يمثل مرحلة جديدة من سياسة “التثبيت الميداني” التي تنتهجها القوات الإسرائيلية منذ أكثر من عام، حيث سبق أن شهدت المنطقة عمليات شق طرق عسكرية جديدة، ونصب أبراج مراقبة متطورة مزودة بأجهزة استشعار وكاميرات حرارية، فضلاً عن إقامة نقاط رصد وإنذار مبكر، ما يمنح القوات الإسرائيلية قدرة أكبر على مراقبة التحركات في عمق المنطقة الحدودية.
وتثير هذه التحركات المتسارعة مخاوف جدية لدى سكان القرى المحيطة، الذين عبّروا عن قلقهم من أن تؤدي هذه الإجراءات إلى توسيع ما يُعرف بـ”المنطقة العازلة”، وفرض قيود إضافية على تنقلاتهم ووصولهم إلى أراضيهم الزراعية. ويعتمد غالبية سكان المنطقة على الزراعة كمصدر أساسي للدخل، ما يجعل أي تضييق جديد بمثابة تهديد مباشر لمعيشتهم.
ويقول أحد المزارعين في ريف القنيطرة إن التوسع العسكري الإسرائيلي بات يفرض واقعاً صعباً، حيث أصبحت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية غير آمنة للوصول إليها، خشية التعرض للاحتجاز أو إطلاق النار التحذيري. وأضاف أن الأهالي يعيشون حالة من القلق المستمر، في ظل غياب أي ضمانات تحميهم أو تكفل لهم العودة إلى أراضيهم بأمان.
كما يخشى السكان من أن تؤدي هذه التحصينات إلى تحويل المنطقة إلى ساحة اشتباك محتملة في أي لحظة، ما يضاعف المخاطر الأمنية والإنسانية. ويشير ناشطون محليون إلى أن القرى الحدودية باتت تعيش حالة من التوتر الدائم، مع تحليق الطائرات المسيّرة بشكل متكرر، وتسيير الدوريات العسكرية داخل محيط القرى والمزارع.
من جهة أخرى، يرى محللون عسكريون أن تحصين قاعدة تل أحمر يحمل أبعاداً استراتيجية، نظراً لموقعها الجغرافي المشرف على مساحات واسعة من ريف القنيطرة، ما يمنح القوات الإسرائيلية قدرة أكبر على التحكم بالمشهد الأمني في المنطقة، وتعزيز منظومة المراقبة والرصد، بما يخدم أهدافها العسكرية بعيدة المدى.
ويؤكد هؤلاء أن استمرار هذه التحركات دون ردع فعلي قد يفتح الباب أمام مزيد من التوسع والتغلغل داخل الأراضي السورية، الأمر الذي يهدد بتغيير قواعد الاشتباك القائمة منذ سنوات، ويفرض معادلات جديدة على الأرض، قد تنعكس سلباً على الاستقرار الهش في الجنوب السوري.
وفي ظل هذا التصعيد، تبقى التساؤلات مفتوحة حول مآلات هذه التحركات، وما إذا كانت مقدمة لخطوات أكثر اتساعاً خلال المرحلة المقبلة، في وقت يفتقر فيه سكان المنطقة إلى أي مظلة حماية حقيقية، وسط صمت دولي وإقليمي يفاقم من شعورهم بالعزلة والقلق.
وبينما تستمر الجرافات في عملها، وتواصل الدوريات تحركاتها داخل القرى والبلدات، يعيش ريف القنيطرة على وقع تصعيد ميداني متدرج، قد يحمل في طياته تغيرات عميقة في المشهد الأمني والإنساني، ما يجعل الأيام القادمة حبلى بالترقب والمخاوف لدى آلاف المدنيين القاطنين على خطوط التماس.