تصاعدت المخاوف الأمنية في ألمانيا إثر فرار بعض عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” من السجون شمال شرق سوريا، وسط اشتباكات متجددة بين القوات الحكومية السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). ويشكل هذا التطور تهديدًا محليًا ودوليًا، لا سيما لألمانيا التي تضم نحو 30 معتقلاً سابقًا من الجنسية الألمانية كانوا محتجزين منذ سنوات ضمن مرافق احتجاز تديرها القوات الكردية المدعومة أمريكيًا.
وحذر خبراء أمنيون ومراكز مكافحة التطرف منذ سنوات من سيناريو محتمل يتمثل في فرار آلاف الجهاديين، قد يؤدي إلى عودتهم بشكل عشوائي إلى بلدانهم الأصلية، بما فيها أوروبا وألمانيا، في غياب رقابة أمنية فعّالة، ما قد يفاقم خطر التطرف العنيف داخل السجون وخارجها.
الضغوط العائلية والسياسية
في ألمانيا، تقدمت عدة عائلات بعريضة إلى البرلمان الألماني (البوندستاغ) تطالب بإعادة أفراد عائلاتهم المعتقلين، مستندة إلى قلق متزايد من سوء الظروف الصحية والتهديدات الأمنية داخل السجون السورية. ومن بين الحالات المعروفة، السجين الألماني ديرك ب. من ولاية بادن-فورتمبيرغ، المحتجز منذ عام 2017، والذي تعرّض للإصابة بمرض السل الرئوي.
وأكدت العرائض أن مقدميها يقرون بخطورة التهم الموجهة لأقاربهم، لكنهم يطالبون بإعادة مواطنيهم الألمان لتوفير محاكمة عادلة ضمن دولة القانون، مع منحهم “فرصة ثانية”. ودعا خبراء مكافحة الإرهاب خلال جلسات برلمانية سابقة إلى إعادة المعتقلين بطريقة نظامية، مشيرين إلى قدرة ألمانيا على التعامل مع هذه القضية بفضل برامج الوقاية وجهوزية أجهزتها الأمنية.
فرار جماعي من السجون
بدأت المخاوف تتحقق عمليًا منذ 20 يناير/كانون الثاني 2026، عندما تم تداول فيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر فرار عناصر من التنظيم من مرافق احتجاز في مناطق شمال شرق سوريا، تزامنًا مع إعلان وقف لإطلاق النار بين الحكومة السورية و”قسد”.
وقالت الحكومة السورية إن نحو 120 سجينًا فروا من سجن الشدادي، بينما تشير تقديرات القوات الكردية إلى أعداد أكبر. وتمكن الجيش السوري من إعادة اعتقال 81 منهم، في حين لا يزال عدد من الفارين مجهول المصير. بالتوازي، بدأت الولايات المتحدة نقل ما يصل إلى 7 آلاف معتقل من التنظيم إلى منشآت تحت سيطرة الحكومة العراقية، بينهم مقاتلون أوروبيون وآخرون من جنسيات متعددة.
كما سيطرت الحكومة السورية على سجن الأقطان شمال الرقة في 23 يناير، بعد انسحاب المقاتلين الأكراد عبر التفاوض، لتأمين إدارة مراكز الاحتجاز ومخيمات الاعتقال التي تضم مقاتلين ومدنيين مرتبطين بالتنظيم، في خطوة اعتبرها مسؤولون سوريون مؤشرًا إيجابيًا على إمكانية صمود الهدنة.
مخيمات الهول وروج تحت الرقابة الحكومية
وانسحبت “قسد” مؤخرًا من مخيم الهول، الذي يضم حوالي 28 ألف شخص معظمهم من النساء والأطفال، فضلاً عن محتجزين مرتبطين بالتنظيم. وتشمل الأعداد المحتجزة في المخيمات الأخرى نحو 8,500 أجنبي من جنسيات مختلفة، بينما يواصل الجيش السوري تعزيز السيطرة على مناطق واسعة في شمال وشرق البلاد بعد الانسحاب الكردي.
ورغم ذلك، لا تزال بعض المخيمات مثل روج خارج السيطرة المباشرة للحكومة، وتستمر مشاورات لتنسيق عملية تسليمها، بينما يسعى الجيش السوري للسيطرة على مناطق الحدود المتبقية لضمان عدم حدوث فرار جماعي جديد.
الموقف الألماني الرسمي
في جلسة سرية بالبوندستاغ ناقشت لجنة العرائض مسألة إعادة المواطنين الألمان المحتجزين في سوريا، إلا أن وزارة الداخلية الاتحادية رفضت أي إعادة لأسباب أمنية، مؤكدة أن الحكومة الاتحادية لا تخطط لاستقبال هؤلاء المعتقلين في الوقت الراهن.
وشددت الكتل البرلمانية المسيحية المحافظة على موقفها الرافض، فيما قالت لمياء قدور، برلمانية ألمانية من أصول سورية عن حزب الخضر المعارض: “انطباعي هو أن الحكومة الاتحادية لا تُبدي اهتمامًا يُذكر بإعادة هؤلاء الرجال”، مضيفة أن “أسوأ السيناريوهات” قد تتحقق، في إشارة إلى احتمال فرار عناصر تنظيم داعش السابقين دون رقابة.
خطر محتمل على الأمن الأوروبي
ويجمع الخبراء على أن استمرار عدم استقرار الوضع في شمال شرق سوريا يزيد من خطر تفشي التطرف العنيف، خصوصًا مع فوضى تسليم السجون والمخيمات وغياب آليات مراقبة فعالة. ويعتبر المراقبون أن إدارة هذه الأزمة تتطلب تنسيقًا دوليًا، مع إجراءات أمنية مشددة، لضمان عدم تسلل عناصر التنظيم إلى أوروبا أو عودتهم إلى النشاط المسلح.