أثارت الأحداث الأخيرة في شمال شرق سوريا، وحسم الحكومة السورية سيطرتها على مناطق كانت تحت نفوذ قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تساؤلات واسعة حول مستقبل مشروع الدولة المستقلة الذي ينادي به الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري، في السويداء.
ويعزو الهجري أهمية تجربة “الإدارة الذاتية” في شمال شرق سوريا كنموذج ناجح للحكم الذاتي، داعيًا إلى فتح ممر إنساني بين السويداء ومناطق قسد في 17 تموز 2025. كما شارك الهجري في مؤتمر “وحدة المكونات” في آب 2025، مؤكّدًا على وحدة الموقف بين المكونات المختلفة شمال شرق سوريا، من الكرد والعرب والسريان والإيزيديين والتركمان والشركس، معتبرًا التنوع المحلي “كنزًا يعزز وحدتنا ويؤسس لشراكة تبني المستقبل”.
سقوط رهان الهجري على قسد
تداعيات حسم الحكومة السورية ملف شمال شرق البلاد ألقت بظلالها على طموحات الهجري. فقد أشارت تقارير صحفية إلى أن قسد دعمت “الحرس الوطني” والمجلس العسكري في السويداء بالمال والتدريب، بما في ذلك تدريب مقاتلات درزيات في مناطق سيطرتها شمال شرق سوريا.
وفقًا لمسؤولين إسرائيليين وقيادات درزية، تم تمرير مبالغ مالية وصلت إلى نحو نصف مليون دولار إلى المجلس العسكري عبر قسد، في محاولة لدعم مشروع الدولة المستقلة جنوبي سوريا. غير أن انكسار مشروع قسد وفقدانها السيطرة على معظم أراضيها يعني انهيار أحد أهم مصادر التمويل والهجمات على الدولة السورية، مما يضع الشيخ الهجري و”الحرس الوطني” في وضع ضعيف جدًا، وفقًا للمحللين السياسيين.
ملف السويداء الراكد
على الرغم من إعلان دمشق عن خارطة طريق لحل الأزمة في السويداء عقب لقاء ثلاثي جمع وزير الخارجية السوري ونظيره الأردني والمبعوث الأمريكي إلى سوريا في أيلول 2025، لم يشهد الملف أي تقدم ملموس منذ إعلان وقف إطلاق النار في تموز من العام نفسه.
ويؤكد محافظ السويداء، مصطفى البكور، أن بعض الفصائل الدرزية تستفيد من الفوضى لتعطيل أي حلول، بينما يواصل الهجري الدعوة للاستقلال، مؤكدًا في مقابلة مع صحيفة إسرائيلية في كانون الثاني الحالي على تبني إسرائيل لمشروع الدولة المستقلة واعتبارها الضامن الوحيد للاتفاقات المستقبلية.
على النقيض، يشدد رئيس الهيئة الروحية للطائفة الدرزية في إسرائيل، موفق طريف، على أن حقوق الدروز يمكن تحقيقها ضمن إطار الدولة السورية، معتبرًا أن الانفصال ليس خيارًا مطروحًا.
الرأي العام والتأثيرات المحتملة
أظهر استطلاع إلكتروني أجرته “عنب بلدي” بمشاركة 1360 شخصًا أن 77% يرون أن حسم الدولة السورية لمعركة شمال شرق سوريا سيؤثر على ملف السويداء، بينما 23% يعتقدون أن هذه التطورات لن يكون لها تأثير.
مقاربة أمنية جديدة
في خطوة غير مسبوقة، زار مدير الأمن الداخلي في السويداء، سليمان عبد الباقي، واشنطن والتقى كبار المسؤولين الأمريكيين، مطالبًا بوضوح بعدم دعم أي مشروع انفصالي، وتأكيد وحدة سوريا. وأوضح عبد الباقي أن الطريق الأمني لحل ملف السويداء سيكون مختلفًا عن شمال شرق سوريا، مع انتشار قوات الدولة ونزع سلاح الفصائل الدرزية دون تدخل إسرائيلي.
ويرى المحلل محمد الحمادة أن التدابير الجارية في الولايات المتحدة تهدف إلى ضمان وحدة الدولة السورية، بينما يشير عبد الكريم العمر إلى أن مشروع الانفصال الذي ينادي به الهجري أصبح ساقطًا بسبب الدعم الدولي لوحدة سوريا والضغط الأمريكي الكبير على إسرائيل لوقف تدخلاتها العسكرية.
إسرائيل.. ورقة الضغط على دمشق
على الرغم من تدخل الجيش الإسرائيلي في السويداء صيف 2025، مع قصف مواقع عسكرية للحكومة السورية، يبدو أن الموقف الإسرائيلي تغير تحت ضغط أمريكي ودولي، واكتفى الساسة الإسرائيليون بالدفاع عن “الإخوة الدروز” دون دعم مشروع دولة مستقلة.
ويشير المحللون إلى أن إسرائيل استخدمت ملف السويداء كورقة ضغط للتفاوض مع دمشق، لكنها ستنسحب تدريجيًا من هذه المنطقة مع توافقات أمريكية وسورية، لتصبح السويداء جزءًا من استقرار الدولة السورية الجديد، ما يحسم مصير “الحرس الوطني” ويضع حدًا لطموحات الهجري بالانفصال.
الاستنتاج
مع سقوط مشروع قسد وانتهاء تأثيرها المالي والعسكري في شمال شرق سوريا، يبدو أن طريق السويداء نحو حل مستدام أصبح أكثر وضوحًا. رغم دعوات الهجري المستمرة للاستقلال، فإن الوحدة الوطنية السورية والدعم الأمريكي الدولي يضمنان بقاء السويداء ضمن الدولة السورية، دون تدخل خارجي مباشر، وإنهاء المشاريع الانفصالية التي استمرت لعقود.