تشهد العقيدة العسكرية الإسرائيلية تحولًا لافتًا باتجاه الجبهة الشرقية، في خطوة تعكس تصاعد القلق الأمني من الحدود مع الأردن، التي لطالما وُصفت داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأنها الأكثر هدوءًا واستقرارًا. هذا التحول لا يقتصر على تعزيز إجراءات الحماية، بل يمتد إلى إعادة تعريف طبيعة التهديدات المحتملة، مع الاستعداد لسيناريوهات مواجهة غير تقليدية قد تفرض نفسها في المستقبل القريب.
وخلال الأشهر الأخيرة، شرع الجيش الإسرائيلي في تنفيذ خطة واسعة لإعادة تأهيل التحصينات والمخابئ العسكرية القديمة الممتدة على طول الحدود الشرقية. هذه المواقع، التي تعود إلى حقبة الستينيات والسبعينيات، كانت مهجورة لعقود طويلة، وتحول بعضها إلى ملاجئ طبيعية للحيوانات البرية، قبل أن تعود اليوم إلى الواجهة باعتبارها جزءًا من خط دفاعي جديد.
سيناريو «حرب الغد»
تستند التحركات الإسرائيلية الحالية إلى سيناريو أمني بات يُعرف داخل قيادة المنطقة الوسطى باسم «حرب الغد». ويقوم هذا السيناريو على افتراض احتمال اندلاع هجمات منسقة عبر الحدود الشرقية، تشارك فيها مجموعات مسلحة موالية لإيران، إلى جانب عناصر فلسطينية مقيمة في الأردن، وربما مقاتلين مرتبطين بجماعة الحوثي.
وتفترض القيادة العسكرية الإسرائيلية أن هذه الهجمات قد تتخذ شكل عمليات تسلل جماعية واسعة، تتزامن مع تصعيد أمني داخل الضفة الغربية، ما من شأنه استنزاف قدرات الجيش الذي يواجه بالفعل تحديات كبيرة على جبهتي غزة ولبنان. وتصف الأوساط العسكرية هذا السيناريو بأنه محاولة لضرب إسرائيل من «الخاصرة الرخوة»، عبر فتح جبهة لم تكن تقليديًا ضمن أولويات الاستعداد القتالي.
من مخابئ مهجورة إلى منظومة مراقبة ذكية
تشمل خطة التحصين إعادة تأهيل الخنادق والمواقع الدفاعية التي تعرضت في الماضي لقصف مدفعي، وتحويلها إلى نقاط مراقبة متقدمة. وقد جرى تجهيز هذه المواقع بأنظمة رصد حديثة تضم أبراج رادار، وكاميرات تتبع عالية الدقة، وأنظمة إنذار مبكر قادرة على كشف التحركات البشرية والطائرات المسيّرة.
كما تتضمن الخطة تحديث عشرات الكيلومترات من السياج الحدودي، إلى جانب إنشاء سواتر ترابية ضخمة ومستودعات إمداد لوجستي، بما يضمن قدرة القوات المنتشرة على الصمود لفترات طويلة في حال اندلاع مواجهة واسعة النطاق.
تحدي العنصر البشري
في موازاة التحصينات الميدانية، يواجه الجيش الإسرائيلي تحديًا متزايدًا في ما يتعلق بالقوى البشرية. وللتعامل مع هذا النقص، تم إنشاء تشكيل عسكري جديد يحمل اسم «الفرقة 96»، ويعتمد بشكل أساسي على متطوعين تتراوح أعمارهم بين 40 و60 عامًا.
وتهدف هذه الفرقة إلى تشكيل وحدات تدخل سريع، تُعرف بـ«ألوية البرق»، تكون قادرة على الانتقال من الحياة المدنية إلى ساحات القتال خلال وقت قصير وبكامل تجهيزاتها. إلا أن هذا التشكيل لا يزال يواجه صعوبات تتعلق بسرعة التجنيد والوصول إلى الجاهزية الكاملة، ما يدفع الجيش إلى الاعتماد في الوقت الراهن على وحدات الاحتياط والقوى المحلية التابعة لقيادة الجبهة الداخلية.
تصاعد التهريب والطائرات المسيّرة
أحد أبرز دوافع التحول الإسرائيلي شرقًا يتمثل في الارتفاع اللافت بعمليات التهريب عبر الحدود الأردنية. وتشير التقديرات الأمنية إلى تضاعف كميات الأسلحة المصادرة خلال عام واحد، إلى جانب قفزة غير مسبوقة في عمليات تهريب المخدرات.
الأكثر إثارة للقلق، بحسب التقديرات العسكرية، هو الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة في عمليات التهريب. فقد جرى رصد محاولات لتهريب عشرات قطع السلاح عبر مسيّرة واحدة، ما يثير مخاوف من تطور هذا الأسلوب ليشمل تهريب مواد متفجرة، أو استخدام المسيّرات ذاتها في تنفيذ هجمات مباشرة.
تنسيق أمني… دون اطمئنان كامل
رغم هذه المخاوف، لا يزال التنسيق الأمني بين الجيشين الإسرائيلي والأردني قائمًا وبوتيرة متصاعدة، بدعم سياسي وعسكري من الولايات المتحدة. ويهدف هذا التنسيق إلى الحفاظ على استقرار الحدود ومنع انزلاقها إلى حالة فوضى أمنية.
غير أن إسرائيل، وفق مقاربتها الجديدة، لم تعد ترغب في الاعتماد الكامل على المسار الدبلوماسي أو التنسيق الأمني وحده. ولذلك بدأت بتحويل قواعدها القريبة من الحدود من منشآت إدارية إلى مواقع دفاعية محصنة، في محاولة لتفادي تكرار سيناريو الانهيار الأمني المفاجئ الذي شهدته بعض القواعد العسكرية في محيط غزة في السابع من أكتوبر.
تحوّل في النظرة الاستراتيجية
يعكس هذا التوجه إعادة صياغة شاملة للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، حيث لم تعد الحدود الشرقية تُعامل كعمق استراتيجي آمن، بل كجبهة محتملة تستدعي استثمارات كبيرة في البنية التحتية العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية.