تكشف التطورات الأخيرة لغزة تحولاً نوعياً في اساليب الحرب حيث أصبح العنف لا يُدار عبر الاشتباك المباشر فقط، وانما عبر منظومات رقمية معقدة تُمكّن من قتل المدنيين عن بعد، وتخفيض القدرة على التوثيق والمساءلة فالأدوات الرقمية، المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تختزل الإنسان إلى بيانات وإحداثيات، ويصبح القرار القاتل متاحاً عبر أنظمة مثل "Where’s Daddy" و"الذئب الأحمر"، التي تعمل على تحليل الحركة والوجوه والمواقع بشكل آلي، وتحدّ من الدور البشري إلى مجرد المصادقة على نتائج الخوارزميات.
توضّح الباحثة عادلة عبد الحميد في ورقتها "ذاكرة هشّة: الحياة الفلسطينية، والمحو الرقمي، والنضال بعد 7 أكتوبر" كيف تحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة احتلال جديدة، حيث تُمارس عمليات الحذف والتقييد والتظليل الخوارزمي (Shadow Banning) لتحديد من يظهر ومن يُحجب عن التداول.
في المقابل، تمثل مقاطع الحياة اليومية المصورة بالهواتف، من طبخ وحركة وكلام أمام الكاميرا، أشكال صمود رقمي تؤكد استمرار المقاومة رغم محاولة فرض صمت قسري.
أما تغريد السميري، في ورقتها "آليات التحريف والتلاعب بالذاكرة الفلسطينية في عصر الذكاء الاصطناعي"، فتبرز كيفية إعادة صياغة الوقائع التاريخية والسياسية عبر منصات الذكاء الاصطناعي، مستبدلة المصطلحات ومشوشة السرديات، ما يُضعف التوثيق ويُعقّد القدرة على المحاسبة القانونية.
من جانب آخر، توضح غدير عوّاد في ورقتها "الإبادة الرقمية في غزة بعد 7 أكتوبر: انقطاعات الإنترنت كعنف إبستيمي"، أن السيطرة الإسرائيلية على البنية التحتية للاتصال، بما في ذلك الطيف الترددي وسرعات الشبكات والتخزين السحابي، تُتيح إدارة الحياة الرقمية الفلسطينية كجزء من استراتيجية شاملة للسيطرة.
يبين هذا المشهد أن غزة باتت أرض اختبار لإعادة تعريف الحرب نفسها: حيث تُدار الإبادة عبر مزيج من القوة المادية والتحكم الرقمي، مع استهداف الذاكرة والشهادة الفلسطينية. رغم ذلك، يستمر المواطنون في ممارسة أشكال المقاومة اليومية، من خلال التوثيق الرقمي والكتابة والتفاعل مع العالم الخارجي، مؤكدين أن الشهادة الفلسطينية لم تُمحَ بعد، وأن الصمود الرقمي يشكل جزءاً أساسياً من المواجهة مع أدوات الذكاء الاصطناعي.