أطفال غزة يفضحون سقوط رواية الجيش الإنساني

2026.01.27 - 09:12
Facebook Share
طباعة

 في زمن الحروب الحديثة، لم تعد المعارك تُخاض بالسلاح وحده، بل بالكاميرا والصورة والرواية. وبينما تعمل غرف الدعاية الإسرائيلية على إنتاج خطاب “الجيش الإنساني”، تكشف الوقائع اليومية في قطاع غزة هشاشة هذه السردية وسقوطها المتكرر أمام مشاهد الدم، خصوصًا حين يكون الضحايا أطفالًا.

تُبنى الرواية الدعائية بعناية فائقة: جندي يبتسم أمام الكاميرا، طفل يتلقى زجاجة ماء أو قطعة خبز، ومشهد يوحي بأن الإنسانية لا تزال حاضرة رغم الحرب. غير أن هذه اللقطات، التي تُعاد صياغتها وتدويرها على نطاق واسع، لا تصمد طويلًا أمام واقع ميداني قاسٍ، حيث تتحول الأيدي نفسها التي توزع المساعدات أمام العدسات إلى أدوات قتل خارج إطار التصوير.

في أقل من أربع وعشرين ساعة، انهار هذا القناع الإنساني مجددًا. فبينما جرى الترويج لمشهد يظهر جنودًا يقدمون الطعام لطفلين في إحدى مناطق التماس داخل قطاع غزة، كانت الطائرات المسيّرة تحلّق في سماء الشمال، ترصد أهدافها، وتنفذ ضربات قاتلة في محيط مناطق مدنية مكتظة.

الفيديو الدعائي، الذي انتشر على حسابات رسمية وشبه رسمية، صُوّر بعناية لغوية وبصرية. تعليق شاعري، كلمات عن الرحمة والأمان، ومحاولة واضحة لتقديم الجيش بوصفه ملاذًا إنسانيًا وسط الفوضى. غير أن هذه اللغة المصقولة اصطدمت سريعًا بحقيقة لا يمكن تلميعها.

فبعد ساعات فقط، استُهدف طفلان في محيط مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة، في منطقة يفترض أنها ملاذ للمدنيين والنازحين. لم يكن الطفلان يحملان سلاحًا، ولم يشكلا خطرًا، بل كانا في طريقهما لتأمين مستلزمات بسيطة لبناء خيمة تحمي عائلتيهما من برد الشتاء القارس.

تحول المشهد فجأة من دعاية إنسانية إلى جريمة مكتملة الأركان. صاروخ واحد أنهى حياة طفلين في عمر الزهور، وترك عائلة مدمرة، ورسالة واضحة تناقض كل ما جرى تسويقه قبل ساعات قليلة. هنا، سقط الخطاب الدعائي أمام الحقيقة العارية.

مشاهد وداع الطفلين كانت كافية لنسف أي محاولة تبرير. أب يحتضن جثمان ابنه الوحيد، يرفض التصديق، يناشد الأطباء، ويتشبث بلحظة أمل مستحيلة. كلمات مكسورة خرجت من فم أب مفجوع، عبّرت عن مأساة تتكرر يوميًا في غزة، بعيدًا عن عدسات الدعاية.

ولم تكن هذه الواقعة استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاستهدافات التي طالت الأطفال منذ بدء الحرب. فبين مشاهد “الإنسانية المصوّرة” والضربات الدقيقة على الأرض، تتسع الفجوة بين الخطاب والممارسة، لتكشف نمطًا ممنهجًا من التناقض الإعلامي.

يعتمد هذا النمط على استغلال الأطفال بصريًا في لحظات محسوبة، ثم تغييبهم تمامًا حين تبدأ العمليات العسكرية الحقيقية. تُستخدم صورهم كأدوات ترويج، بينما تتحول أجسادهم إلى أهداف حين تختفي الكاميرات. إنها معادلة قاسية تعكس كيف تُدار الحرب إعلاميًا، لا إنسانيًا.

الأرقام بدورها تفضح الرواية. فعدد الأطفال الذين فقدوا حياتهم خلال الحرب بلغ مستويات غير مسبوقة، في واحدة من أكثر الفصول دموية بحق الطفولة في العصر الحديث. آلاف العائلات تعيش الفقد نفسه، ووجوه الأطفال الغائبة تحولت إلى شاهد دائم على فشل كل محاولات التجميل الإعلامي.

وتشير الوقائع الميدانية إلى أن استهداف الأطفال لم يكن نتيجة أخطاء عرضية، بل جاء ضمن سياق أوسع من العمليات العسكرية التي طالت منازل، مدارس، مستشفيات، ومراكز إيواء. في كثير من الحالات، كان الأطفال ضحايا أثناء النزوح، أو البحث عن الطعام والماء، أو الاحتماء من القصف.

أمام هذا السيل من الحقائق، تتراجع فعالية الدعاية مهما بلغت احترافيتها. فالصورة المصنوعة لا تستطيع الصمود أمام صورة أب يحمل طفله الشهيد، ولا أمام واقع يومي يوثق بالمجازر والدمار. ومع كل حادثة جديدة، تتآكل الرواية أكثر، وتنكشف محدودية تأثيرها خارج دوائرها المغلقة.

وهكذا، يجد الخطاب الدعائي نفسه في مواجهة اختبار قاسٍ: أطفال غزة، بصمتهم ودمائهم، يهزمون رواية “الجيش الإنساني”، ويعيدون تعريف الحقيقة بعيدًا عن الكاميرات والإخراج المصطنع.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 1