أوروبا تواجه اختبار سيادتها وسط تهديدات أمريكية

2026.01.29 - 10:05
Facebook Share
طباعة

دخلت العلاقات الأمريكية الأوروبية منذ مطلع 2026 مرحلة أكثر حدة وعلنية تجاوزت الخلافات المعتادة حول التجارة والإنفاق الدفاعي والحرب الروسية الأوكرانية لتصل إلى مستوى غير مسبوق يمس جوهر التحالف الأطلسي نفسه فطرح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب فكرة ضم جزيرة غرينلاند التابعة لمملكة الدانمارك وربطها بأدوات ضغط اقتصادية وسردية أمنية أحادية حوّل التوتر إلى اختبار مباشر لسيادة الحلفاء داخل الفضاء الغربي.
غرينلاند تهز أركان الناتو:
لم يكن الحديث عن غرينلاند مجرد تصريح عابر أو مناورة سياسية شكل صدمة داخل حلف شمال الأطلسي فالجزيرة تمثل موقعا استراتيجيا بالغ الأهمية في منظومة الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي الأمريكية وتضم وجودا عسكريا أمريكيا قائما منذ عقود بموجب ترتيبات دفاعية مع الدانمارك تحويل هذا الملف إلى خطاب ضم أو سيطرة قسرية زعزع الثقة داخل الناتو وأثار تساؤلات حادة حول معنى التحالف إذا كانت سيادة الأعضاء قابلة للمساومة.
السيادة خط أحمر أوروبي:
على مستوى السيادة جاء الرد الأوروبي والدانماركي تحديدا حاسما شددت كوبنهاغن وبروكسل على أن وحدة أراضي الدانمارك وغرينلاند غير قابلة للتفاوض وأن مصير الجزيرة يحدده سكانها ضمن الإطار الدستوري القائم هذا الموقف لم يكن دفاعا عن إقليم بعينه فقط بل عن مبدأ دولي أوسع يقوم على احترام الحدود ورفض الإكراه في العلاقات بين الدول وهو المبدأ الذي طالما قدم الغرب نفسه كحامٍ له.
الاقتصاد كسلاح ضغط:
الشق الاقتصادي أضفى على الأزمة طابعا أكثر خطورة فتهديد ترمب بفرض تعريفات ورسوم على دول أوروبية ابتداء من فبراير 2026 للضغط باتجاه شراء غرينلاند أعاد إلى الواجهة شبح الحروب التجارية هذا الربط بين التجارة والسيادة اعتبرته أوروبا ابتزازا سياسيا مباشرا ودفعها إلى التلويح بأدوات ردع مضادة من بينها أداة مكافحة الإكراه التي تسمح بإجراءات تطال الاستثمار والخدمات، والمشتريات العامة تحول الأمن الاقتصادي إلى جزء لا يتجزأ. من الأمن القومي الأوروبي:
الأمن الأطلسي في مهب الريح
الأزمة كشفت تناقضا بنيويا في الخطاب الأمريكي مطالبة الحلفاء بزيادة الإنفاق الدفاعي والتماسك في مواجهة روسيا مقابل ممارسة ضغوط تمس سيادتهم هذا التناقض غذّى شعورا أوروبيا متزايدا بأن التهديد لم يعد محصورا في الخصوم قد يأتي من داخل التحالف نفسه وهو ما يهدد تماسك الناتو على المدى المتوسط.
دافوس ومنعطف مارك كارني:
في هذا السياق تحول منتدى دافوس إلى منصة انتقاد حادة للسياسات الأمريكية وكان لافتا خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في 20 يناير 2026 حين أعلن أن النظام الدولي القائم على القواعد انتهى كارني لم يكتف بتشخيص الأزمة ربطها بتسليح التجارة وتسييس سلاسل الإمداد معتبرا أن التحالفات التقليدية لم تعد ضمانة كافية ودعا القوى المتوسطة إلى العمل جماعيا محذرا من منطق عالمي جديد عنوانه من لا يجلس على الطاولة سيكون على القائمة.
نحو استقلال أوروبي متسارع:
أزمة غرينلاند فتحت نقاشا أوروبيا حول الاستقلال الإستراتيجي في ملفات أخرى مثل أوكرانيا الطاقة سلاسل الإمداد والقدرات الدفاعية وقدر تحليل معهد تشاتام هاوس أن أوروبا ستسعى إلى تسريع الاستقلال الإستراتيجي حتى في حال تراجع التصعيد الأمريكي لأن الضرر وقع في مجال الثقة واكتشفت أوروبا أن تهديد السيادة قد يأتي من الحليف لا الخصم فقط كما راقبت روسيا التوتر بارتياح معتبرة أن الانقسام الأطلسي سيضعف القدرة الغربية على إدارة الملفات الكبرى وعلى رأسها الحرب الروسية الأوكرانية.
القانون الدولي تحت الاختبار:
الأزمة أثارت نقاشا قانونيا حول مفهوم التهديد باستخدام القوة في القانون الدولي وتركز على أن التلويح بخيارات قسرية ضد إقليم تابع لحليف يقترب من منطقة رمادية تتجاوز مجرد رأي سياسي هنا تظهر دلالة أوروبية أكبر فالاتحاد الأوروبي يسعى لمنع ضم غرينلاند ومنع تطبيع فكرة أن العلاقات بين الحلفاء تدار بمنطق التهديد والمقايضة.
عبارة النظام الدولي القائم على القواعد تضم الأمم المتحدة منظمة التجارة العالمية والناتو ومعايير سلوكية احترام السيادة عدم تغيير الحدود بالقوة تسوية النزاعات وقيود على الإكراه التجاري نقد الطموحات التوسعية يتعامل مع انهيار هذه الطبقات كنتيجة لتراكمات مفصلية وعندما يستخدم القوي أدوات التكامل كسلاح تتحول العولمة من مكسب جماعي إلى نظام تبعية قابل للابتزاز. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 3