دخل الاتفاق المعلن بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” حيّز النقاش الواسع، بعد الكشف عن تفاصيله التنفيذية والعسكرية والإدارية، في خطوة وُصفت بأنها من أكثر التفاهمات حساسية منذ اندلاع النزاع السوري، نظرًا لما تحمله من تغييرات جوهرية تمسّ بنية السيطرة والنفوذ في شمال شرقي البلاد.
الاتفاق، الذي أُعلن عنه رسميًا يوم الجمعة، لم يقتصر على وقف إطلاق النار، بل تجاوز ذلك ليشمل إعادة هيكلة أمنية وعسكرية، ودمجًا تدريجيًا للمؤسسات المدنية، وتسويات تتعلق بالحقوق التعليمية والإدارية، إلى جانب ترتيبات خاصة بالمناطق ذات الغالبية الكردية.
بداية التنفيذ ووقف النار
وفق المعطيات المعلنة، من المقرر أن يبدأ تنفيذ الاتفاق مطلع شهر شباط المقبل، على أن تكون الخطوة الأولى وقفًا شاملًا لإطلاق النار بين الطرفين، يدخل حيّز التنفيذ فور انسحاب جميع القوات العسكرية من خطوط التماس وعودتها إلى قواعدها الرئيسية.
ويُنظر إلى هذا البند باعتباره حجر الأساس في الاتفاق، إذ يُفترض أن يضع حدًا لحالة التوتر العسكري المستمرة منذ سنوات، ويفتح المجال أمام تثبيت الاستقرار الميداني، تمهيدًا لبقية الخطوات.
إعادة تنظيم المشهد العسكري
عسكريًا، ينص الاتفاق على بقاء “قوات سوريا الديمقراطية” ضمن تشكيلات عسكرية منظمة على شكل ألوية، تتمركز في مناطق الجزيرة السورية ومدينة عين العرب (كوباني)، على أن تبقى هذه القوات خارج المدن، دون انتشار داخل المراكز السكنية.
كما تم التفاهم على دمج هذه الألوية تدريجيًا ضمن هيكلية وزارة الدفاع السورية، في إطار ما وُصف بعملية “دمج متسلسلة”، تتيح استيعاب القوات دون صدامات أو تفكيك مفاجئ للبنية القائمة. وفي الوقت نفسه، يبقى خيار الدمج الفردي للعناصر متاحًا، بما يراعي الخصوصيات والظروف الشخصية.
ويشمل الاتفاق أيضًا تشكيل فرقة عسكرية جديدة تضم ثلاثة ألوية من “قسد”، إضافة إلى لواء خاص بقوات كوباني، على أن تتبع هذه الفرقة لمحافظة حلب عسكريًا، ضمن توزيع جغرافي جديد للصلاحيات.
الترتيبات الأمنية وخصوصية المناطق الكردية
على الصعيد الأمني، جرى التأكيد على استمرار عمل “قوى الأمن الداخلي” (الأسايش) في المناطق ذات الغالبية الكردية، باعتبارها الجهة المسؤولة عن حفظ الأمن الداخلي وإدارة الشؤون اليومية، مع الحفاظ على ما وُصف بـ”الخصوصية الأمنية” لهذه المناطق.
في المقابل، تنص التفاهمات على دخول عناصر محدودة من قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي، وذلك ضمن إطار مؤقت يهدف إلى التنسيق وبدء عملية الدمج الأمني، دون أن يتحول هذا الوجود إلى انتشار دائم.
أما في المناطق التي تضم سكانًا أكرادًا وتخضع حاليًا لسيطرة الحكومة، مثل عفرين ورأس العين، فقد تم الاتفاق على أن تكون إدارتها المستقبلية بيد سكانها الأصليين، ضمن مسار لاحق يُفترض أن يُستكمل بعد تثبيت المرحلة الأولى من الاتفاق.
دمج المؤسسات والإدارة المدنية
يشكل الملف الإداري أحد أعقد بنود الاتفاق، إذ تم التوافق على دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع تثبيت الموظفين المدنيين العاملين فيها، وضمان استمرارهم في وظائفهم، بما يمنع حدوث فراغ إداري أو شلل في الخدمات.
وتنص التفاهمات على أن تتبع المعابر الحدودية، والمطارات، وحقول النفط، للإدارة المركزية في دمشق، مع الاعتماد على كوادر محلية في إدارتها وتشغيلها. كما سيتم تنظيم عمل المؤسسات الإعلامية من خلال التراخيص الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة في العاصمة.
وفيما يتعلق بمعبر “سيمالكا” الحدودي مع إقليم كردستان العراق، جرى التأكيد على بقائه مفتوحًا، واستمرار عمله ضمن إطار رسمي، دون تسجيل أي موقف سلبي تجاهه.
التعليم والاعتراف بالشهادات
أحد أبرز البنود التي حظيت باهتمام واسع يتمثل في ملف التعليم، حيث تقرر الاعتراف الرسمي بشهادات الثانوية والجامعات الصادرة في مناطق شمال شرقي سوريا خلال السنوات الماضية.
ومن المنتظر أن يصدر مرسوم خاص ينظم هذه العملية، بما يتيح للطلاب متابعة تعليمهم أو التقدم إلى الوظائف الرسمية دون عوائق قانونية. كما ستُشكّل لجان مشتركة لمناقشة مستقبل المناهج التعليمية، ولغات التدريس، في ظل وجود نظام تعليمي خاص بالمنطقة.
وأكدت التفاهمات على الحفاظ على خصوصية المؤسسات التربوية، مع السعي إلى صيغة توافقية تضمن انسجام العملية التعليمية مع الإطار الوطني العام.
ملف السجون ومعتقلي التنظيم
فيما يخص السجون التي تضم معتقلي تنظيم “الدولة الإسلامية”، نص الاتفاق على استمرار “قسد” في حمايتها وتأمينها، بالتوازي مع ترتيبات لنقل السجناء إلى العراق، ضمن آلية منفصلة عن مسار الدمج العسكري والإداري.
ويُعد هذا الملف من أكثر القضايا حساسية، نظرًا لتداخل أبعاده الأمنية والإقليمية والدولية، وما يترتب عليه من التزامات مستقبلية.
الحسكة والإدارة المحلية
لم يُحسم حتى الآن ملف تعيين محافظ الحسكة، حيث جرى الاتفاق على تأجيل البت بالاسم، في وقت تقرر فيه أن يكون نائب قائد الأمن الداخلي في المحافظة من كوادر “قسد”، ضمن مرحلة انتقالية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار الإداري.
ويأتي هذا التأجيل في ظل سعي الطرفين لتفادي أي خطوة قد تُفسَّر على أنها فرض أمر واقع أو إقصاء لطرف على حساب آخر.
ضمانات دولية وردود فعل
لاقى الاتفاق ترحيبًا إقليميًا ودوليًا واسعًا، وسط حديث عن وجود ضمانات دولية لمتابعة التنفيذ وضمان الالتزام ببنوده. واعتُبر الاتفاق خطوة مهمة نحو خفض التصعيد، وإعادة فتح المسار السياسي في منطقة طالما كانت بؤرة توتر.
ميدانيًا، سُجل هدوء ملحوظ على جبهات الحسكة ورأس العين وعين العرب عقب الإعلان عن الاتفاق، في مؤشر أولي على التزام الطرفين بوقف إطلاق النار.
مرحلة انتقالية مفتوحة
وفق نص الاتفاق، فإن الهدف النهائي يتمثل في توحيد الأراضي السورية، وإنفاذ القانون، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية.
وبينما لا تزال هناك تساؤلات حول آليات التنفيذ والتحديات المحتملة، يرى مراقبون أن الاتفاق يشكّل اختبارًا حقيقيًا لإمكانية الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الشراكة، في واحدة من أكثر مناطق سوريا تعقيدًا.