عاد شبح التصعيد العسكري ليخيّم على قطاع غزة، في توقيت بالغ الحساسية، تزامناً مع الحديث عن استكمال المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، والاستعدادات لفتح معبر رفح البري. ففي اليوم الذي سبق فتح المعبر، شهد القطاع موجة قصف عنيفة أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا الفلسطينيين، معظمهم من المدنيين، في مشهد أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول نيات إسرائيل الحقيقية من الاتفاق، وحدود التزامها ببنوده.
وجاء هذا التصعيد بينما تتحدث الولايات المتحدة عن ضرورة استكمال مسار التهدئة، وتروّج لمرحلة جديدة يُفترض أن تشهد تخفيفاً للقيود وعودة تدريجية لمظاهر الحياة في غزة. غير أن الوقائع الميدانية بدت مناقضة تماماً لهذا الخطاب، مع استهداف مناطق سكنية ومراكز خدمية وخيام للنازحين، بذريعة ضرب “أهداف عسكرية”.
قصف في توقيت محسوب
قبل ساعات من الموعد المعلن لفتح معبر رفح، تعرضت مناطق متفرقة من قطاع غزة لقصف مكثف، طال مواقع بينها مركز شرطة في شمال القطاع، إضافة إلى تجمعات للنازحين في جنوبه. وأسفر القصف عن سقوط أكثر من ثلاثين قتيلاً، إلى جانب عشرات الجرحى، في وقت يعيش فيه القطاع أوضاعاً إنسانية شديدة الهشاشة.
وبررت إسرائيل هذه الهجمات بأنها استهدفت عناصر مسلحة تشكل “تهديداً أمنياً”، في حين أبدت واشنطن تفهماً لهذا التفسير، معتبرة أن الاتفاق لا يمنع إسرائيل من تنفيذ ضربات ترى أنها ضرورية لأمنها. هذا الموقف الأميركي، بحسب مراقبين، منح إسرائيل هامشاً واسعاً للمناورة، وأتاح لها الاستمرار في عمليات عسكرية تُفرغ التهدئة من مضمونها العملي.
منع عودة الحياة إلى غزة
يرى محللون أن الهدف الأساسي من هذا التصعيد لا ينفصل عن استراتيجية إسرائيلية أوسع، تقوم على منع أي عودة طبيعية للحياة في قطاع غزة. فعودة الهدوء النسبي، وفتح المعابر، واستئناف عمل المؤسسات المدنية، تعني عملياً فشل الأهداف التي أعلنتها إسرائيل خلال حربها الطويلة على القطاع.
وتشير قراءات سياسية إلى أن إسرائيل تتعامل مع التهدئة بوصفها أداة تكتيكية، لا التزاماً استراتيجياً. فهي تسعى إلى الإبقاء على حالة عدم الاستقرار، وإعادة إشعال التوتر كلما لاح في الأفق أي مؤشر على تعافٍ إنساني أو إداري داخل القطاع.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى استهداف المراكز الخدمية والأمنية، مثل الشرطة والمؤسسات الإدارية، على أنه رسالة واضحة مفادها أن غزة لن تُمنح فرصة لإعادة تنظيم شؤونها، حتى ضمن الحد الأدنى الذي تسمح به التهدئة.
لجنة التكنوقراط تحت النار
يتزامن هذا التصعيد مع الاستعداد لدخول لجنة تكنوقراط يُفترض أن تتولى إدارة الشؤون المدنية في القطاع، ضمن ترتيبات ما بعد الحرب. غير أن توقيت القصف، وطبيعة الأهداف التي طالتها الغارات، يطرحان علامات استفهام كبيرة حول إمكانية عمل هذه اللجنة فعلياً.
فاستهداف مراكز الشرطة والمرور والخدمات القضائية يعني عملياً تقويض أي بنية مؤسسية يمكن أن تعتمد عليها اللجنة في أداء مهامها. ويرى مراقبون أن إسرائيل تسعى لإفشال هذه اللجنة قبل أن تبدأ عملها، عبر تدمير الأدوات التي قد تمنحها أي قدرة تنفيذية أو حضور ميداني.
وتعزز هذه القراءة تصريحات إسرائيلية سابقة شددت على ضرورة عدم السماح بإعادة تأهيل القطاع، أو إدخال مساعدات قد تساهم في تحسين الوضع الإنساني، ما يعكس توجهاً واضحاً لإبقاء غزة في حالة شلل دائم.
اتفاق مهدد بالانهيار
في ظل هذه المعطيات، تتصاعد المخاوف من أن يكون اتفاق وقف إطلاق النار برمته مهدداً بالانهيار، ليس عبر إعلان رسمي، بل من خلال تفريغه تدريجياً من مضمونه. فبقاء القوات الإسرائيلية في مناطق واسعة من القطاع، والتحكم في المعابر، واستمرار القصف المتقطع، كلها عوامل تجعل الحديث عن “مرحلة ثانية” مجرد إطار نظري لا ينعكس على أرض الواقع.
ويرى محللون أن هذا النهج يهدف إلى فرض وقائع جديدة، تُبقي غزة في حالة إنسانية كارثية، وتمنع أي مسار سياسي أو إداري من الاستقرار، بما يفتح الباب مستقبلاً أمام خيارات أكثر تطرفاً، من بينها إعادة طرح سيناريوهات التهجير القسري.
تباين دولي وعجز رقابي
ورغم الحديث عن ضغوط دولية محتملة على إسرائيل للالتزام بالاتفاق، فإن الوقائع تشير إلى محدودية هذا الضغط، في ظل الغطاء السياسي الأميركي. كما أن انسحاب جهات أوروبية من آليات المراقبة السابقة يعكس صعوبة التحقق من الانتهاكات على الأرض، حتى بوجود أدوات استخباراتية وتقنية متقدمة.
ويشير هذا الواقع إلى خلل بنيوي في منظومة الرقابة الدولية، التي تبدو عاجزة عن فرض التزامات واضحة، أو ضمان حماية المدنيين، أو حتى الحفاظ على الحد الأدنى من شروط التهدئة.
رسائل ما قبل رفح
في المحصلة، يبدو أن التصعيد الإسرائيلي قبيل فتح معبر رفح لم يكن حدثاً عرضياً، بل خطوة محسوبة تحمل رسائل سياسية وأمنية واضحة. ففتح المعبر، ولو جزئياً، يرمز إلى كسر العزلة المفروضة على غزة، وإلى إمكانية بدء مسار إنساني وإداري جديد، وهو ما لا يبدو أن إسرائيل مستعدة لقبوله في هذه المرحلة.
وبينما ينتظر الفلسطينيون أي بارقة أمل تخفف من معاناتهم المستمرة، تظل غزة عالقة بين وعود التهدئة وواقع القصف، في معادلة معقدة تُبقي مستقبل القطاع مفتوحاً على مزيد من الغموض والتصعيد.