تقدم حذر في المسار الأمني السوري الإسرائيلي

2026.02.01 - 01:00
Facebook Share
طباعة

 تشهد المباحثات غير المعلنة بين سوريا وإسرائيل تسارعًا ملحوظًا خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل رعاية أمريكية مباشرة وضغوط سياسية متزايدة تهدف إلى التوصل لاتفاق أمني قبل حلول شهر آذار المقبل. ووفق معطيات متقاطعة، فإن هذا المسار حقق تقدمًا ملموسًا، رغم بقاء ملفات حساسة، يتصدرها الوجود العسكري الإسرائيلي على جبل الشيخ، بوصفه العقبة الأبرز أمام إتمام أي تفاهم نهائي.

وتشير مصادر غربية وسورية إلى أن الولايات المتحدة تقود جهودًا مكثفة لدفع الطرفين نحو اتفاق أمني محدود، يُنظر إليه كخطوة أولى لخفض التوتر على الجبهة الشمالية، وربما كمدخل لفتح مسارات تعاون أوسع في المستقبل، تشمل ترتيبات خاصة بالجولان، ومشاريع اقتصادية ذات طابع أمني أو تقني.

ويأتي هذا الحراك في سياق إقليمي ودولي معقد، يتسم بتراجع فرص المواجهة الشاملة، مقابل تصاعد الرغبة في إدارة النزاعات وضبط خطوط الاشتباك، خاصة في المناطق الحساسة القابلة للاشتعال السريع.


تسريبات وسقوف مرتفعة
في موازاة هذا المسار، ظهرت تسريبات إعلامية إسرائيلية تحدثت عن اقتراب الطرفين من اتفاق أمني برعاية أمريكية، وذهبت بعض هذه التسريبات إلى طرح سيناريوهات ذات سقف عالٍ، من بينها أفكار وُصفت بأنها “إيجار طويل الأمد للجولان”، أو الحديث عن خطوات دبلوماسية تدريجية قد تصل إلى فتح قنوات رسمية بين دمشق وتل أبيب.

ووفق معلومات متداولة، يُتوقع عقد لقاءات بين مسؤولين من الجانبين بوساطة أمريكية، وربما في إحدى العواصم الأوروبية، لوضع اللمسات الأخيرة على تفاهم أمني يركز على خفض التصعيد وترتيبات المراقبة والانتشار العسكري.

غير أن كثافة هذه التسريبات فتحت باب التساؤلات حول مدى واقعيتها، وما إذا كانت تعكس تحولًا حقيقيًا في مسار العلاقات، أم أنها أدوات ضغط وجس نبض في مرحلة تفاوضية حساسة.


روايات متباينة
يرى الخبير في العلاقات الدولية الدكتور عامر فاخوري أن هذه التسريبات تقع في منطقة وسطى بين الاحتمال والنفي، فلا يمكن التعامل معها كوقائع منجزة، ولا يمكن في الوقت نفسه اعتبارها مجرد خيال سياسي.

وأوضح أن روايات الإعلام الدولي تختلف جوهريًا عن الخطاب الإسرائيلي، إذ تركز تقارير غربية على محادثات أمنية غير مباشرة تهدف إلى خفض التوتر وضبط الجبهة الشمالية، بينما يرفع الإعلام الإسرائيلي سقف الطروحات، متحدثًا عن ترتيبات طويلة الأمد وسيناريوهات تطبيع تدريجي.

وأكد فاخوري أن ما يمكن اعتباره قائمًا حتى الآن هو مسار أمني محدود، لا يتطلب إعلانًا سياسيًا ولا تنازلات سيادية كبرى، بينما تبقى العناوين الأكبر في إطار التسريب والاختبار السياسي أكثر من كونها بنودًا تفاوضية ناضجة.


اتفاق أمني لا سلام شامل
من جانبه، يرى الباحث عمار جلو أن الحديث عن اتفاق أمني هو أمر متوقع في ضوء التفاهمات السابقة، خاصة تلك التي أُنجزت بوساطات دولية، مشيرًا إلى أن هذا المسار يتمتع بدرجة عالية من الجدية، وأن المسألة تتعلق بالتوقيت لا بالمبدأ.

في المقابل، اعتبر جلو أن الطروحات المتعلقة باتفاق سلام شامل أو تطبيع واسع لا تعكس واقع المفاوضات الحالي، موضحًا أن ما يُطرح حول الجولان يرتبط بترتيبات أمنية بديلة أو محدثة، دون المساس بجوهر الصراع أو إنهاء واقع الاحتلال.


حسابات براغماتية
يأتي هذا التقدم في سياق حسابات متبادلة للطرفين. فدمشق، وفق التحليلات، تسعى إلى خفض المخاطر الأمنية وتفادي التصعيد، في ظل واقع داخلي هش وحاجة ملحة للاستقرار، إضافة إلى رغبتها في فتح قنوات غير مباشرة مع واشنطن، ومنع تحول أراضيها إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.

في المقابل، ترى إسرائيل أن تثبيت الهدوء عبر تفاهمات أمنية أقل كلفة من استمرار نمط الضربات المتبادلة، كما تسعى إلى احتواء النفوذ الإيراني وتحقيق مكاسب أمنية طويلة الأمد، حتى من دون اتفاق سلام معلن.

أما الولايات المتحدة، فتمسك بالخيط الأساسي بوصفها الراعي الفعلي وصاحبة أدوات الضغط، مركزة على منع انفجار إقليمي واسع، وإدارة النزاعات بدل حلها، في إطار مقاربة تقوم على تثبيت التوازنات لا تغييرها جذريًا.


فرص النجاح وحدودها
يرى مراقبون أن فرص نجاح هذا المسار تختلف تبعًا لسقف التفاهمات المطروحة. فالتوصل إلى اتفاق أمني محدود يهدف إلى خفض التصعيد وضبط الاشتباك يبدو أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ، كونه يخدم مصالح جميع الأطراف ولا يتطلب قرارات سياسية مكلفة.

في المقابل، كلما ارتفع سقف التسريبات نحو عناوين كبرى، تراجعت فرص تحققها، نظرًا لتعقيداتها القانونية والسياسية وحساسيتها الداخلية والإقليمية.

وعليه، يُرجّح أن يبقى ما يمكن إنجازه محصورًا في ترتيبات أمنية هادئة، فيما تظل السيناريوهات الأكبر مؤجلة، أو مجرد أدوات ضغط إعلامي في معركة تفاوضية لم تنضج بعد.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 5