يضع الاتفاق الجديد بين الحكومة السورية و“قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) محطة إضافية على خارطة الطريق المتقلبة لمصير شمال شرقي سوريا، في منطقة شهدت خلال السنوات الماضية مزيجًا من المواجهة والتفاوض، وفق ما تفرضه موازين القوة والضغوط الدولية والتطورات الميدانية.
الاتفاق، الذي أُعلن عنه في 30 كانون الثاني الماضي ببيان مشترك بين الطرفين، يأتي استكمالًا لسلسلة تفاهمات سابقة، إلا أنه تميز هذه المرة ببنود أكثر تحديدًا، وفي سياق ميداني مختلف جذريًا. فـ“قسد”، التي كانت تسيطر سابقًا على نحو ثلث مساحة البلاد، فقدت خلال الفترة الأخيرة معظم مناطق نفوذها، عقب عملية عسكرية واسعة نفذتها الحكومة السورية في شمال غربي البلاد وامتدت لاحقًا إلى مناطق شرق الفرات.
وخلال أيام قليلة، تمكن الجيش السوري من بسط سيطرته على مدينة الرقة كاملة، إضافة إلى ريف دير الزور الشرقي، كما تمدد نفوذه شرقي حلب وصولًا إلى تخوم مدينة عين العرب (كوباني)، ذات الرمزية الخاصة لدى المكوّن الكردي. هذا التحول الميداني منح الاتفاق الجديد وزنًا مختلفًا، وفرض على “قسد” واقعًا تفاوضيًا أكثر صعوبة.
بنود أوضح… وتأويلات متعددة
يتضمن الاتفاق وقفًا شاملًا لإطلاق النار بين الجانبين، إلى جانب التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية. وبحسب البيان المشترك، يشمل الاتفاق انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي، بهدف تعزيز الاستقرار وبدء إجراءات الدمج الأمني.
وعلى الصعيد العسكري، ينص الاتفاق على تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من “قسد”، إضافة إلى لواء خاص بقوات عين العرب (كوباني)، ضمن فرقة تتبع لمحافظة حلب. كما يتضمن دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.
ويهدف الاتفاق، وفق البيان، إلى توحيد الأراضي السورية، وإنفاذ القانون، وتحقيق دمج كامل في المنطقة، بما يسهم في إعادة بناء البلاد وتعزيز الاستقرار.
غير أن الإعلان عن الاتفاق أعقبه صدور تفسيرات متباينة من الجانبين، كشفت عن نقاط لا تزال موضع خلاف. ففي حين أكدت الحكومة السورية أن الدمج العسكري سيتم على أساس فردي ضمن هيكلية وزارة الدفاع، تحدثت قيادات في “قسد” عن بقاء قواتها على شكل ألوية متمركزة قرب المدن، دون دخولها.
كما أشارت تصريحات صادرة عن “قسد” إلى أن دخول قوات الأمن الحكومية إلى الحسكة والقامشلي سيكون مؤقتًا ولغايات التنسيق فقط، بينما لم تؤكد الحكومة هذه الصيغة بشكل صريح، ما يفتح الباب أمام تأويلات متباينة حول طبيعة الوجود الأمني المستقبلي.
هل يستمر الاتفاق؟
مع كل جولة تفاوض بين دمشق و“قسد”، تتجدد التساؤلات حول فرص التطبيق والاستمرارية، في ظل سجل طويل من الاتفاقات التي لم تُنفذ أو نُفذت جزئيًا قبل أن تنهار.
ويذهب بعض المراقبين إلى أن الحكومة السورية تبدو أكثر جدية هذه المرة في تنفيذ الاتفاق، مستفيدة من تفوقها الميداني، فيما تواجه “قسد” تحديات داخلية معقدة، أبرزها الانقسامات داخل بنيتها العسكرية، ووجود تيارات موالية لحزب “العمال الكردستاني” (PKK)، الذي يحمل مشروعًا يتجاوز الإطار السوري.
ويرى باحثون أن التصريحات الصادرة عن قيادة “قسد” بعد الاتفاق بدت مرتبكة ومتضاربة، في محاولة لطمأنة قواعدها الشعبية، أو لكسب الوقت في مرحلة حساسة.
في المقابل، يشير آخرون إلى أن الواقع الميداني فرض على “قسد” تنازلات لم تكن مطروحة سابقًا، وأن الاتفاق الحالي قد يحظى بفرصة أكبر للنجاح، خاصة في ظل الترحيب والدعم الدولي الذي لقيه من عدة دول فاعلة.
الجيش يقلب المعادلة
التغيرات العسكرية الأخيرة لعبت دورًا حاسمًا في صياغة الاتفاق. فبعد أن انحسر نفوذ “قسد” إلى مراكز مدن محدودة، أبرزها الحسكة والقامشلي، ومدن وبلدات ذات غالبية كردية، تراجع هامش المناورة لديها بشكل واضح.
وفي شرقي حلب، تقلص وجودها تدريجيًا وصولًا إلى عين العرب، حيث لا يزال الجيش السوري متمركزًا على تخوم المدينة، وسط تفاهمات تقضي ببقاء القوات الكردية داخلها ضمن شروط محددة.
ويعتبر بعض المحللين أن الاتفاق يمثل نهاية فعلية لمشروع “قسد” السياسي والعسكري بصيغته السابقة، بينما يرى آخرون أن الحديث عن إنهاء التنظيم بالكامل ما زال مبكرًا، وأن العملية قد تمتد لأشهر، مع احتمالات نجاح لا تتجاوز نصفها.
سيناريوهات مفتوحة
ما يزيد من تعقيد المشهد هو غياب الحسم بشأن مصير بعض التشكيلات المسلحة المرتبطة بـ“قسد”، مثل “وحدات حماية الشعب” و“وحدات حماية المرأة” وتشكيلات شبابية أخرى، وهي ملفات لم تُحسم بشكل واضح في جولة المفاوضات الأخيرة.
ويرجّح مراقبون أن تتجه الأمور إلى أحد سيناريوهين: إما تنفيذ تدريجي للاتفاق تحت ضغط الواقع الميداني والدولي، أو تكرار تجربة اتفاقات سابقة انتهت إلى فشل ثم حسم عسكري، كما حدث في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى الأيام والأسابيع المقبلة كفيلة بكشف ما إذا كان الاتفاق الحالي يشكل بداية حل مستدام لملف شمال شرقي سوريا، أم أنه محطة مؤقتة في مسار طويل من التفاهمات الهشة.