غارات متجددة تشعل جنوب لبنان

2026.02.28 - 08:25
Facebook Share
طباعة

 عاد التصعيد ليخيّم على جنوب لبنان، مع سلسلة غارات إسرائيلية جديدة استهدفت بلدات وتلالاً وأودية في مشهد أعاد إلى الأذهان مشاهد الأشهر الماضية. الطيران الحربي واصل تحليقه في الأجواء الجنوبية، فيما دوّت الانفجارات في مناطق مفتوحة وسط الغابات والتلال، من دون تسجيل إصابات بشرية حتى لحظة إعداد هذا التقرير.

الغارات طالت وادي برغر وبلدة سجد ومحيط بلدة بلاط – مرجعيون، كما استُهدف محيط بلدة السريري بغارتين متتاليتين. وفي إقليم التفاح، تحدثت مصادر محلية عن سلسلة ضربات طالت مرتفعات المنطقة، بينما أفيد بأن مسيّرات من نوع “كواد كابتر” ألقت عبوات متفجرة للمرة الثالثة في بلدة مركبا، ما زاد منسوب القلق بين الأهالي.

يأتي ذلك في سياق توتر متواصل رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ في نوفمبر/تشرين الثاني 2024. وعلى الرغم من التعهدات بتهدئة الجبهة الجنوبية، تتكرر الضربات الجوية بشكل متقطع، في ما تعتبره أوساط لبنانية خرقاً للاتفاق وتقويضاً للاستقرار الهش.

الجيش الإسرائيلي أعلن في بيان مقتضب أنه ينفذ هجمات جوية ضد “بنى تحتية تابعة لحزب الله” في جنوب لبنان، مدعياً استهداف مواقع إطلاق صواريخ وأنفاق تحت الأرض قال إن الحزب يستخدمها لإعادة تنظيم صفوفه. في المقابل، ترى جهات لبنانية أن هذه الادعاءات تندرج ضمن تبرير استمرار العمليات العسكرية، خصوصاً أن الغارات الأخيرة أصابت مناطق مفتوحة ولم يُعلن عن ضبط منصات إطلاق أو مخازن أسلحة في المواقع المستهدفة.

ميدانياً، بدت الصورة معقّدة: أصوات الطائرات الحربية لم تغادر السماء، والمسيّرات حلّقت على علو منخفض فوق القرى، ما دفع كثيراً من السكان إلى البقاء داخل منازلهم. أحد أبناء بلدة قريبة من مرجعيون قال إن الأهالي باتوا يعيشون على إيقاع صفارات التحذير وأصوات الانفجارات، مضيفاً أن “القلق صار جزءاً من يومياتنا، حتى لو لم تقع إصابات”.

الضربات التي تركزت في مناطق حرجية وتلال مفتوحة خففت من حجم الخسائر البشرية، لكنها تركت أثراً نفسياً واضحاً. فالمزارعون يخشون الاقتراب من أراضيهم، والرعاة يتجنبون المراعي البعيدة، فيما المدارس تتابع الوضع بحذر تحسباً لأي تطور مفاجئ. وتؤكد فعاليات محلية أن استمرار التحليق الكثيف للطيران يضع المنطقة في حالة استنفار دائم، ويقوّض أي شعور بالأمان.

التصعيد الجديد يعيد طرح الأسئلة حول مستقبل التهدئة. فالاتفاق الذي أُعلن عنه في أواخر 2024 جاء بعد أشهر من مواجهات عنيفة بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قبل أن تتوسع في سبتمبر/أيلول 2024 إلى حرب شاملة. تلك الحرب خلّفت آلاف الضحايا والجرحى، ودماراً واسعاً في البنية التحتية والقرى الحدودية. ورغم توقف العمليات الواسعة، لا تزال بعض التلال والمواقع الحدودية موضع توتر مستمر.

سياسياً، لم تصدر مواقف رسمية لبنانية تفصيلية فوراً، لكن مصادر متابعة رأت أن تكرار الغارات يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لقدرته على ضمان احترام وقف إطلاق النار. وتلفت هذه المصادر إلى أن أي انزلاق جديد قد يفتح الباب أمام جولة تصعيد أوسع، في ظل هشاشة التوازن القائم.

على الأرض، يحاول الأهالي التمسك بروتين الحياة رغم كل شيء. محال تجارية فتحت أبوابها بحذر، وحركة السير بقيت محدودة في بعض القرى. إلا أن الهدوء النسبي يبقى مشروطاً بعدم تجدد الغارات، وهو شرط لم يعد مضموناً في ظل استمرار التحليق والاستهدافات المتفرقة.

اللافت أن الغارات الأخيرة، رغم محدودية أضرارها البشرية، حملت رسائل سياسية وأمنية واضحة. فهي تؤكد أن الجبهة الجنوبية ما زالت قابلة للاشتعال في أي لحظة، وأن اتفاق وقف إطلاق النار لم يتحول بعد إلى استقرار راسخ. وبين التصريحات العسكرية والواقع الميداني، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف، ينتظرون تثبيت هدنة حقيقية تنقلهم من دائرة الترقب الدائم إلى مساحة أوسع من الطمأنينة.

في المحصلة، الجنوب اللبناني يعيش مرحلة “لا حرب ولا سلم”؛ ضربات متفرقة، تحليق دائم، وقلق متصاعد. ومع كل غارة جديدة، يتجدد السؤال: هل تبقى الأمور ضمن حدود الرسائل المتبادلة، أم تنزلق إلى مواجهة أوسع؟ الإجابة رهن التطورات الميدانية والإرادة السياسية، لكن الثابت حتى الآن أن الجنوب لم يخرج بعد من دائرة النار.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 5