في مشهد إقليمي شديد التعقيد، تتقاطع الحسابات العسكرية مع التحركات الدبلوماسية في مساحة ضيقة تحكمها الضرورة السياسية وتفرضها موازين القوة وبينما يتركز الاهتمام على التصعيد الميداني، تظهر في الخلفية ترتيبات غير معلنة تُدار بصمت لضمان استمرار قنوات التفاوض، في محاولة لمنع الانفجار الشامل وإبقاء باب الحلول مفتوحاً.
كشفت القناة 14 الإسرائيلية عن منح ما وُصف بـ“حصانة مؤقتة” لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف خلال فترة المفاوضات الجارية، بما يتيح لهما المشاركة دون التعرض لأي استهداف مباشر طوال مدة المحادثات.
وفق وسائل إعلام عبرية فإن هذه الضمانات تمتد لخمسة أيام، وهي الفترة المحددة لجولة التفاوض، وتشمل تأمين الحركة والتنقل ضمن ترتيبات دقيقة تحمي الوفد الإيراني من أي تصعيد مفاجئ مثل هذه التفاهمات تُستخدم في حالات التوتر المرتفع، حيث يصبح الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار ضرورياً لإنجاح أي مسار تفاوضي.
التحركات السياسية تتسارع في محاولة لفتح قنوات اتصال مباشرة بين واشنطن وطهران، وسط إدراك متبادل بأن استمرار المواجهة دون أفق سياسي يحمل مخاطر واسعة على المنطقة رغم ذلك، تبقى فجوة الثقة عاملاً حاسماً يقيّد فرص التقدم، ويجعل أي اتفاق محتمل عرضة للاهتزاز في أي مرحلة.
في المقابل، تواصل الولايات المتحدة تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، مع إبقاء العمليات قائمة، ضمن استراتيجية تعتمد الجمع بين الضغط العسكري والانخراط السياسي إدارة دونالد ترامب تتعامل مع هذا المسار باعتباره وسيلة لفرض شروط تفاوضية أكثر صرامة، مستفيدة من التفوق العسكري كأداة تأثير مباشرة.
على المستوى الإقليمي، تلعب بعض الدول أدواراً في تسهيل التواصل بين الطرفين. فقد أفادت وكالة رويترز بأن باكستان نقلت مقترحاً أمريكياً إلى طهران، بينما يجري التداول باسم تركيا كموقع محتمل لاستضافة المحادثات، في إطار مساعٍ لتهيئة بيئة مناسبة للحوار.
المقترح الأمريكي لا تزال تفاصيله غير معلنة، مع حديث عن بنود متعددة تهدف إلى وقف التصعيد أو تثبيت تهدئة مرحلية تتيح الانتقال إلى مرحلة تفاوض أوسع الغموض المحيط بهذه البنود يرتبط بحساسية الملف، حيث يجري التعامل معه بعيداً عن الضغوط الإعلامية والسياسية المباشرة.
في هذا السياق، تكتسب “الحصانة المؤقتة” بعداً يتجاوز الجانب الأمني، لتصبح جزءاً من آلية إدارة الصراع، حيث تُرسم حدود غير مكتوبة تمنع استهداف الشخصيات المنخرطة في التفاوض، حفاظاً على استمرارية الحوار. هذه الترتيبات تعكس إدراكاً لدى الأطراف بأن أي استهداف مباشر قد يؤدي إلى انهيار كامل للمسار السياسي.
المشهد العام يكشف عن توازن دقيق بين التصعيد والاحتواء، حيث تتحرك القوى المعنية ضمن هامش ضيق لتفادي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. قدرة هذه المسارات على الاستمرار ترتبط بمدى نجاح الأطراف في تحويل التفاهمات المؤقتة إلى أرضية أكثر ثباتاً، أو على الأقل إبقاء الصراع ضمن حدود يمكن السيطرة عليها في بيئة إقليمية شديدة الحساسية.