دخل العراق منعطفًا خطيرًا منذ اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط، حيث لم تعد البلاد مجرد منطقة لتبادل الرسائل التحذيرية بين أطراف النزاع، بل تحوّلت إلى ساحة مواجهة فعلية تضم أبعادًا عسكرية وسياسية واجتماعية متشابكة، ما يرفع احتمالية انزلاق البلاد إلى أزمة شاملة تهدد استقرار مؤسسات الدولة.
سقط سبعة قتلى و13 جريحًا من الجيش العراقي إثر غارة جوية استهدفت مستوصف الحبانية العسكري في محافظة الأنبار صباح اليوم الأربعاء، وفق ما أعلنته وزارة الدفاع العراقية جاء هذا الهجوم بعد 24 ساعة فقط من غارة أخرى أودت بحياة 15 عنصرًا من الحشد الشعبي، ما يعكس وجود خطة متكاملة لاستهداف البنية التحتية العسكرية والطبية العراقية في المناطق الحدودية الغربية، المتاخمة لسوريا والأردن، بهدف تعطيل القدرات اللوجستية والقوات المسلحة.
أفاد المجلس الوزاري للأمن الوطني العراقي بأن هيئة الحشد الشعبي والأجهزة الأمنية مُنحت التفويض القانوني للرد على أي اعتداء، وهو ما يوفر غطاءً شرعيًا للتصدي للضربات المحتملة، ويتيح للحكومة محاولة احتواء التوتر الداخلي، خاصة بين الفصائل الولائية التي تعتبر الحشد الشعبي جزءًا منها، بينما ترى واشنطن هذه التشكيلات كأدوات ضغط لطهران، ما يزيد التعقيد السياسي والأمني على الأرض.
امتد الصراع إلى استهداف القواعد العسكرية الرئيسية مثل "قاعدة فيكتوري" في مطار بغداد، السفارة الأمريكية بالمنطقة الخضراء، وقاعدة "حرير" في أربيل، بواسطة صواريخ وطائرات مسيرة إلى جانب ذلك، شهد العراق سلسلة اغتيالات نوعية استهدفت قيادات في كتائب حزب الله والحشد الشعبي، ما يعكس مستوى عميقًا من التنسيق الاستخباراتي الذي يسعى لتفكيك القدرات الميدانية للفصائل العراقية وضرب استقرارها.
يرى مراقبون أن الجانب الاقتصادي تأثر بدوره بشكل مباشر، إذ استهدفت الهجمات حقول النفط الحيوية في مجنون والرميلة وكركوك، يهدد القدرة المالية للدولة ويزيد من هشاشة الاقتصاد العراقي، في وقت يشهد فيه السوق العالمي اضطرابًا بسبب التوترات المستمرة في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط، ما يعكس تأثير النزاع على الاقتصاد العالمي أيضًا.
في الوقت نفسه، حاولت الولايات المتحدة استغلال الملف الكردي كورقة ضغط على إيران، عبر فتح قنوات اتصال مع مجموعات كردية إيرانية معارضة تتمركز في إقليم كردستان العراق، وعرضت عليهم دعمًا عسكريًا ولوجستيًا لفتح جبهة برية، لكن أربيل رفضت استخدام أراضيها لأي عمليات، حفاظًا على اتفاقاتها الأمنية مع بغداد وطهران، وخشية الانزلاق إلى فخ أمريكي قد يتركها وحدها في مواجهة التبعات.
حذر محللون سياسيون واقتصاديون من أن استمرار هذا التصعيد سيدفع العراق إلى منزلق خطير يشمل الانقسام السياسي، واستفحال التدخلات الخارجية، وانهيار مؤسسات الدولة، مع تداعيات اقتصادية شديدة تشمل تفاقم أزمة النفط وضغوط على القطاع المصرفي المرتبط بطهران، وتصاعد الاحتقان الاجتماعي بين الأطراف المختلفة، ما يزيد من هشاشة الوضع الداخلي.
اليوم، لم يعد النقاش العراقي يقتصر على مسألة انتهاء الحرب على إيران، بل توسع ليشمل قدرة الحكومة على ضبط التوتر واحتواء الفصائل المسلحة، ومنع البلاد من التحول إلى ساحة حرب مستقلة. التصعيد المتواصل من قصف وجولات اغتيال وتفويض الحشد الشعبي بالرد يضع العراق على حافة أزمة متعددة الأبعاد، تجمع بين الأبعاد العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتضع المؤسسات أمام اختبار حقيقي للقدرة على الصمود والحفاظ على استقرار البلاد.