بين الدعم والتقييد: استراتيجية موسكو تجاه إيران

2026.03.28 - 01:00
Facebook Share
طباعة

يتخذ الدور الروسي في الحرب المرتبطة بإيران طابعاً مركباً يجمع بين دعم محسوب وانخراط غير مباشر، ضمن معادلة دقيقة تحكمها المصالح الاستراتيجية أكثر من اعتبارات التحالف التقليدي، في وقت تسعى فيه موسكو إلى توظيف الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع القوى الغربية.
منذ دخول "معاهدة الشراكة الاستراتيجية" بين موسكو وطهران حيّز التنفيذ في أكتوبر 2025، انتقل التعاون بين الطرفين إلى مستوى أكثر تنظيماً، يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق العسكري وتوسيع مجالات الدعم التقني هذا التعاون لم يعد مقتصراً على الطائرات المسيّرة كما في المراحل الأولى من الحرب الأوكرانية، بل توسّع ليشمل أنظمة متقدمة وبيانات أقمار صناعية وخبرات ميدانية.
خلال عام 2026، تغيّر اتجاه تدفق الدعم العسكري، حيث بدأت موسكو بتزويد طهران بمسيّرات مطورة من طراز "غيران-2"، مزودة بتقنيات مقاومة التشويش وأنظمة توجيه أكثر دقة، إلى جانب دعم استخباراتي يشمل رصد التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة هذا التحول يعكس انتقال العلاقة من تبادل منفعة إلى شراكة ذات طابع عملي في إدارة الصراع.
تقارير استخباراتية أوروبية وغربية تحدثت عن شحنات مسيّرات ومعدات عسكرية يجري نقلها عبر مسارات برية تمر عبر أذربيجان، ضمن قوافل تحمل غطاء مساعدات إنسانية، في حين ينفي الكرملين هذه الاتهامات ويؤكد استمرار التعاون في إطار العلاقات الثنائية.
ورغم هذا المستوى من الدعم، تضع موسكو حدوداً واضحة لانخراطها. الامتناع عن تسليم مقاتلات "سوخوي-35" ومنظومات "إس-400" يرتبط بأولوية الجبهة الأوكرانية، حيث تعمل الصناعات العسكرية الروسية بكامل طاقتها لتلبية احتياجات الحرب هناك، إضافة إلى رغبة الكرملين في تجنب أي احتكاك مباشر مع الولايات المتحدة أو إسرائيل.
المعطيات تشير إلى اعتماد موسكو سياسة "التدرج المحسوب"، عبر تزويد إيران بمكونات تقنية وتدريب أطقم عسكرية، بدلاً من نقل منظومات قتالية متقدمة بشكل مباشر. وفي هذا السياق، جرى تسليم طائرات تدريب من طراز "ياك-130"، في إطار إعداد بنية جوية مستقبلية دون تسريع التصعيد.
المعاهدة الموقعة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في يناير 2026 لا تتضمن التزامات دفاعية مشتركة، بل تركز على التعاون وتبادل المعلومات والتدريب، ما يعكس رغبة الطرفين في الحفاظ على شراكة مرنة دون الانزلاق إلى تحالف عسكري كامل.
في الجانب الاقتصادي، تستفيد موسكو بشكل واضح من استمرار التوتر الإقليمي، حيث أدى ارتفاع أسعار النفط إلى تعزيز عائداتها. بيانات اقتصادية تشير إلى وصول عائدات الصادرات إلى نحو 270 مليون دولار يومياً، مع ارتفاع الشحنات البحرية إلى 4.07 ملايين برميل يومياً، وهي مستويات مرتفعة مقارنة بالفترات السابقة.
كما ساهمت التحولات في السوق الآسيوية في تعزيز موقع النفط الروسي، مع زيادة الطلب وتخفيف القيود على المشترين، ما وفر لموسكو موارد إضافية لدعم اقتصادها في ظل العقوبات الغربية.
في المقابل، يوفر الصراع فرصة لموسكو لتشتيت تركيز الغرب بعيداً عن أوكرانيا، عبر فتح جبهات ضغط متعددة، وإبقاء الولايات المتحدة منخرطة في أكثر من مسرح عمليات في وقت واحد.
في المحصلة، يقوم الدور الروسي على توازن دقيق بين دعم إيران وإدارة المخاطر. موسكو تقدم أدوات دعم مؤثرة دون تجاوز الخطوط التي قد تجرها إلى مواجهة مباشرة، مستفيدة من استمرار الصراع لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، مع الحفاظ على هامش مناورة واسع في بيئة دولية شديدة التعقيد. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 2