من السلاح إلى العقيدة تقارب متصاعد بين الهند وإسرائيل

2026.03.28 - 01:33
Facebook Share
طباعة

 لم يعد التقارب بين الهند وإسرائيل محصورا في المصالح السياسية أو التعاون العسكري، بل بات يعكس، وفق مؤشرات متعددة، تقاطعا أعمق في الرؤية الأيديولوجية التي تحكم توجهات الطرفين. ويبرز هذا التوجه بوضوح مع صعود حكومة ناريندرا مودي، التي دفعت العلاقات الثنائية إلى مستويات غير مسبوقة، سواء على مستوى التصنيع العسكري أو التنسيق الأمني والتكنولوجي.

وقد جاءت زيارة مودي إلى إسرائيل، وخطابه أمام الكنيست قبيل تصعيد عسكري إقليمي، لتؤكد هذا المسار، حيث قدّم مقاربة تقوم على ما وصفه بـ"التوازي الحضاري" بين التجربتين الهندية والإسرائيلية. هذا الطرح لا يقتصر على البعد الثقافي، بل يُستخدم لتبرير شراكة تتسع في مجالات حساسة، من بينها الصناعات العسكرية وتقنيات المراقبة.

على المستوى العملي، تحولت الهند خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز شركاء إسرائيل في مجال التسليح، بل وأكبر مستورد للسلاح الإسرائيلي عالميا. كما تطور التعاون إلى التصنيع المشترك، بما في ذلك الطائرات المسيّرة وأنظمة الصواريخ، إضافة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي المرتبطة بتحديد الأهداف. هذا التعاون وفر لإسرائيل هامشا أوسع لتجاوز قيود بعض الأسواق الغربية، عبر نقل جزء من الإنتاج إلى الأراضي الهندية بتكاليف أقل وبغطاء قانوني مختلف.

وفي ظل تعقيدات سلاسل التوريد الدولية، برزت الهند كقناة بديلة حافظت على تدفق مكونات عسكرية حيوية، من هياكل الطائرات بدون طيار إلى المواد المستخدمة في المحركات الصاروخية. هذا الدور لا يعكس فقط تقاربا اقتصاديا، بل يكرّس اعتمادا متبادلا يعزز من استمرارية العمليات العسكرية الإسرائيلية حتى في ظل الضغوط الدولية.

بالتوازي مع ذلك، يمتد التعاون إلى المجال الأمني والاستخباري، حيث استخدمت تقنيات إسرائيلية متقدمة في مراقبة معارضين داخل الهند، بما يشمل شخصيات سياسية وحقوقية. كما شمل التعاون تطوير أدوات للتحكم في الفضاء الرقمي، خاصة في مناطق حساسة مثل كشمير، عبر تقنيات تتيح المراقبة وقطع الاتصالات بشكل انتقائي.

هذا التشابك بين الأمن والتكنولوجيا يعكس انتقال العلاقة من مجرد تعاون تقني إلى تبادل خبرات في إدارة الأزمات الداخلية، وهو ما يثير تساؤلات حول توظيف هذه الأدوات في سياقات تتعلق بالحريات والحقوق المدنية.

في الخلفية الأعمق لهذا التقارب، يبرز البعد الأيديولوجي، حيث يسعى الخطاب القومي الديني في الهند إلى إعادة تعريف الدولة على أسس حضارية-دينية، في تقاطع واضح مع النموذج الذي تقدمه إسرائيل لنفسها. ويظهر ذلك في المقارنة التي طرحها مودي بين مفهومي "الهالاخاه" في اليهودية و"الدارما" في الفلسفة الهندوسية، باعتبارهما نظامين يوجهان السلوك الفردي والجماعي.

غير أن هذا الطرح يتجاهل اختلاف السياقات التاريخية والفكرية بين المفهومين، ويعيد توظيفهما ضمن خطاب سياسي يسعى إلى إضفاء شرعية ثقافية على مشروع قومي ديني. كما يعكس محاولة لتقديم نموذج الدولة بوصفها امتدادا لعقيدة، لا إطارا محايدا لجميع مواطنيها.

داخليا، يتزامن هذا التوجه مع سياسات تعيد تشكيل الهوية الوطنية في الهند، من خلال تعزيز القومية الهندوسية وتقييد الطابع العلماني الذي نص عليه الدستور بعد الاستقلال. وقد تجلى ذلك في تعديلات قانونية تتعلق بالجنسية، ومشاريع رمزية مثل بناء معابد على مواقع دينية مثيرة للجدل، وهي خطوات أثارت انقسامات داخلية حادة.

في المقابل، يجد هذا المسار صدى لدى التيارات القومية في إسرائيل، التي ترى في التجربة الهندية نموذجا مكملا لفكرة الدولة ذات الطابع الحضاري والديني. هذا التبادل في الإلهام يعزز ما يمكن وصفه بـ"التلاقي الأيديولوجي"، حيث يُعاد تفسير التاريخ والدين لخدمة مشاريع سياسية معاصرة.

كما يظهر هذا التلاقي في الخطاب الثقافي، بما في ذلك الإنتاج السينمائي في الهند، الذي بات يروّج لنماذج أمنية وعسكرية تقوم على الضربات الاستباقية والتفوق التقني، في مقاربة تقترب من العقيدة الأمنية الإسرائيلية. هذا التحول يعكس إعادة تشكيل للوعي العام، بحيث تُقدَّم القوة العسكرية كجزء من الهوية الوطنية.

وفي هذا السياق، تبدو العلاقة بين الهند وإسرائيل وكأنها تتجاوز حدود التحالف التقليدي، لتدخل في إطار أوسع من إعادة تعريف الدولة والمجتمع، استنادا إلى سرديات دينية وتاريخية. غير أن هذا المسار، رغم ما يوفره من تماسك داخلي لبعض التيارات، يطرح في الوقت ذاته تحديات تتعلق بالتعددية والهوية، سواء في الهند أو في إسرائيل.

ومع استمرار هذا التقارب، يبقى السؤال مطروحا حول مدى قدرة هذا النموذج على الصمود أمام التوترات الداخلية والتغيرات الدولية، خاصة في ظل اعتماده المتزايد على توظيف الدين والتاريخ في صياغة السياسات، وهي أدوات قد تمنح زخما مؤقتا، لكنها تحمل في طياتها عوامل توتر طويلة الأمد.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 5