أصدرت وزارة الخارجية السورية بيانًا رسميًا ردًا على تقرير لجنة الأمم المتحدة للتحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، الذي تناول الأحداث الدامية في محافظة السويداء خلال تموز 2025، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 1700 شخص ونزوح نحو 200 ألف مدني من مناطقهم. وأكدت الوزارة تقديرها لجهود اللجنة الدولية، مشددة على أن الحكومة السورية تعاملت مع الأحداث منذ اللحظة الأولى بأعلى درجات المسؤولية والشفافية، مع اتخاذ كافة التدابير اللازمة لضمان محاسبة المتورطين ومتابعة التحقيقات.
وأوضحت الخارجية أن الحكومة شكلت لجنة تحقيق وطنية مستقلة في آب 2025، وأطلقت خارطة طريق وطنية في أيلول من نفس العام لمعالجة الأزمة، تضمنت دعوة رسمية للجنة الدولية للقيام بتحقيقاتها في المحافظة، وتسهيل وصولها إلى كافة المناطق المعنية. وأكد البيان أن الحكومة ملتزمة بمحاسبة جميع المتورطين في الانتهاكات التي طالت المدنيين دون استثناء، وعدم التساهل مع أي اعتداءات أو أعمال مخالفة للقانون، مهما كانت الجهة الفاعلة. وأشارت الوزارة إلى أن الجهات المختصة بدأت بالفعل باتخاذ خطوات عملية بناءً على مخرجات اللجنة الوطنية، وستواصل هذا المسار لضمان تحقيق العدالة ومنع تكرار الانتهاكات.
كما تناول البيان الانتهاكات المستمرة التي ارتكبتها مجموعات محلية بقيادة الشيخ حكمت الهجري، والتي رافقها غياب المساءلة وعرقلة عمل اللجنة الدولية، وتهديدات للسكان وفرض قيود على حرية التنقل. ورأت الوزارة أن هذه الانتهاكات تبرز أهمية استعادة مؤسسات الدولة لدورها الكامل في حماية المدنيين وتعزيز سيادة القانون. وأشار البيان أيضًا إلى العوامل البنيوية التي ساهمت في تفاقم الأوضاع في السويداء، بما في ذلك تداعيات سنوات النزاع السابقة، والانتهاكات خلال فترة حكم الأسد، وانتشار السلاح، وارتفاع نشاطات تهريب المخدرات، إضافة إلى التوترات المجتمعية بين المكونات المحلية.
وأثنت الوزارة على ما تضمنه التقرير من إشادة بتشكيل اللجنة الوطنية والتعاون الرسمي مع اللجنة الدولية، بما في ذلك إتاحة الوصول إلى المحافظة وتسهيل اللقاءات والمقابلات. وشددت الخارجية على أن الحكومة تثمّن هذا التعاون البنّاء، مؤكدة أن الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع في المنطقة ساهمت في تعقيد المشهد الميداني وإعاقة جهود التهدئة، وفق ما ورد في التقرير الأممي.
وأكد البيان استمرار الحكومة في تنفيذ ما تضمنته خارطة الطريق الوطنية، بما يشمل صدور تقرير اللجنة الدولية وعودة العديد من المحتجزين إلى ذويهم، والعمل على تهيئة الظروف المناسبة لعودة النازحين وتعزيز الثقة بين مكونات المجتمع، وإعادة تأهيل البنى التحتية المتضررة. وشددت الوزارة على أن الجهود الحكومية ستستمر بالتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين لتحقيق الأمن الشامل، وصون وحدة البلاد، وضمان العدالة والكرامة لجميع المواطنين.
وأشار تقرير لجنة الأمم المتحدة إلى ثلاث موجات عنف متتالية شهدتها السويداء منتصف تموز 2025. الموجة الأولى وقعت بين 14 و16 تموز، حيث ارتكبت القوات الحكومية برفقة مقاتلين من العشائر انتهاكات واسعة شملت إعدامات وتعذيبًا وعنفًا جنسيًا واحتجازًا تعسفيًا ونهبًا للممتلكات، طالت المدنيين من المجتمع الدرزي. أما الموجة الثانية في 17 تموز، فتنفذها جماعات مسلحة درزية ضد المدنيين من البدو، بعد انسحاب القوات الحكومية إثر غارات إسرائيلية، ما أدى إلى طرد المجتمع البدوي تقريبًا بالكامل من مناطق سيطرتها. أما الموجة الثالثة، التي امتدت بين أواخر 17 و19 تموز، فجرت مجموعات قبلية هجمات انتقامية استهدفت المدنيين الدروز مجددًا، وأدت إلى حرق ونهب جميع المنازل والمحلات التجارية ودور العبادة في نحو 35 قرية ذات أغلبية درزية أو مختلطة.
وأحصت اللجنة مقتل ما لا يقل عن 1707 أشخاص، بينهم 1190 رجلًا و99 امرأة و22 فتى و31 فتاة من المجتمع الدرزي، و53 رجلًا و9 نساء و5 فتيان و3 فتيات من المجتمع البدوي، بالإضافة إلى مقتل 225 عنصرًا من القوات الحكومية، سقط كثير منهم في الغارات الإسرائيلية. وأكد التقرير أن معظم الضحايا من المدنيين أو من غير المشاركين في الأعمال العدائية، فيما لا يزال نحو 100 درزي و120 بدويًا و30 موظفًا حكوميًا في عداد المفقودين، ولا يزال 155 ألف نازح، معظمهم من القرى الدرزية المحترقة، غير قادرين على العودة حتى الآن.
وأشار رئيس اللجنة، باولو سيرجيو بينهيرو، إلى أن “حجم ووحشية أعمال العنف الموثقة في السويداء أمر مقلق للغاية”، داعيًا إلى بذل جهود موسعة لمحاسبة جميع الجناة، ورأى أن الانتهاكات قد ترقى إلى مستوى جرائم حرب، وأن الهجمات الواسعة والمنهجية ضد المدنيين قد تستوفي معايير جرائم ضد الإنسانية بعد مزيد من التحقيقات.