النصر المفقود: ترامب وصراع إيران

2026.03.29 - 09:18
Facebook Share
طباعة

ترى مجلة "فورين أفيرز" أن المواجهة التي تخوضها الولايات المتحدة مع إيران تتجاوز التصعيد العسكري المباشر، إذ تكشف عن فجوة عميقة في المقاربة الإستراتيجية الأميركية، حيث تتباعد الأهداف السياسية عن الأدوات العسكرية، ما قد يؤدي إلى كلفة حرب أعلى بكثير من أي مكاسب محتملة.

وبحسب تحليل المجلة، تكمن المشكلة ليس في قدرة واشنطن على إلحاق الضرر بإيران، بل في صعوبة تحويل هذا الضرر إلى نتيجة سياسية واضحة يمكن وصفها بـ"النصر" بالمعنى الإستراتيجي.

حرب بلا تعريف للنصر

تشير المجلة إلى أن أي حرب تحتاج إلى هدف سياسي واضح وإستراتيجية واقعية قابلة للتحقق بكلفة مقبولة. ومع ذلك، تبدو المقاربة الأميركية تجاه إيران بعيدة عن هذا التوازن، إذ تراوحت الأهداف بين إنهاء البرنامج النووي الإيراني، وضرب القدرات الصاروخية والبحرية، وصولاً إلى تغيير النظام، وهو تباين يعكس غياب ترتيب واضح للأولويات.

وتحذّر المجلة من ما تُعرف بـ"إزاحة الهدف"، حيث تتحول العمليات العسكرية إلى غاية بحد ذاتها، محققة إنجازات ميدانية لكنها منفصلة عن الهدف السياسي النهائي.

"جزّ العشب" واستراتيجية الضغط المستمر

وتوضح المجلة أن الخيار الأقصى المتمثل في تغيير النظام يبدو بعيد المنال، إذ أسهمت الضربات العسكرية، وفق التحليل، في تعزيز تماسك النظام الإيراني الداخلي ورفع مستوى العداء تجاه الولايات المتحدة.

أما الخيار الأدنى، المتمثل في إضعاف مستمر عبر ضربات متكررة، فلا يوفر حلاً طويل الأمد، بل يرسّخ حالة صراع مفتوح يتم فيه احتواء التهديد بدلاً من إنهائه، وهو ما يعرف بـ"جزّ العشب"، الذي يقوم على فرضية أن الضربات المتكررة تحد من إعادة بناء القدرات الإيرانية، لكنها تتجاهل قدرة طهران على التكيف وتصعيد الرد.

الردع المعكوس واحتمالات التصعيد

تشير المجلة إلى أن الضربات المباشرة واستهداف القيادات الإيرانية قد يعزز الدافع لدى إيران للرد، سواء بوسائل مباشرة أو غير مباشرة، بما في ذلك استهداف مصالح أمريكية بطرق غير تقليدية، ما يفتح المجال لتصعيد تدريجي يصعب ضبطه.

كما قد تدفع الضربات المتكررة إيران إلى تطوير أساليب أكثر تعقيداً لإخفاء قدراتها، مما يقلل من فعالية العمليات المستقبلية ويزيد صعوبة تقييم نتائجها.

خيارات سياسية وعسكرية محدودة

وترى المجلة أن إنهاء التهديد الإيراني يتطلب أحد خيارين: تسوية سياسية موثوقة أو تدخل عسكري شامل، لكن كلا الخيارين يواجهان عوائق كبيرة. فالحل التفاوضي محدود الفاعلية نتيجة تراجع الثقة بعد الانسحاب من الاتفاق النووي وضربات عسكرية أثناء مسارات تفاوضية. أما الخيار العسكري الواسع، فيبدو شبه مستحيل بسبب تعقيدات إيران الجغرافية وحجمها، فضلاً عن الكلفة البشرية والاقتصادية العالية.

تكلفة تتجاوز ساحة المعركة

ولا تقتصر تداعيات الحرب على الجانب العسكري، بل تشمل الاقتصاد والسياسة العالمية. ووفق المجلة، تكبدت الولايات المتحدة مليارات الدولارات خلال الأسابيع الأولى من الصراع، مع ضغوط متزايدة على مخزون الأسلحة المتقدمة، وقد يؤثر الانخراط العميق في إيران على أولويات إستراتيجية أخرى، مثل الصراع في أوكرانيا أو التنافس مع الصين.

بعض القرارات الأخيرة، مثل تخفيف القيود على إمدادات النفط العالمية، تعكس التوتر بين إدارة الأزمة الحالية والحفاظ على توازنات استراتيجية أوسع.

نافذة تفاوض ضيقة ومستقبل غير واضح

رغم أن الحل التفاوضي يظل نظرياً الخيار الأكثر استدامة، تبدو فرص تحقيقه محدودة. وأي اتفاق جديد يتطلب مستوى من الثقة المتبادلة تضرر بشدة خلال السنوات الماضية. فرض شروط على إيران في هذا السياق قد يزيد من تعقيد المواجهة بدلاً من حلها.

نتيجة مزدوجة ومخاطر متزايدة

تخلص "فورين أفيرز" إلى أن الحرب حققت نتائج مزدوجة: فقد قلّصت قدرة إيران على تنفيذ هجمات واسعة النطاق، لكنها في الوقت نفسه زادت من احتمالات لجوئها إلى استخدام أدوات أقل قوة وأكثر خطورة من حيث التوقيت والطبيعة.

وبذلك، تواجه الولايات المتحدة معادلة معقدة: نجاح تكتيكي لا يتحول إلى مكسب إستراتيجي، وصراع مفتوح قد يستمر دون أفق واضح للإنهاء. ويشير التحليل إلى أن غياب إستراتيجية تربط بين الهدف والوسيلة قد يجعل الولايات المتحدة في حرب لا تعرف كيف تنهيها، ولا ما الذي يشكل فيها "نصرًا" حقيقيًا. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 3