في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، خرج المستشار الأميركي ديفيد ساكس، أحد أبرز وجوه التكنولوجيا داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب، بموقف لافت يدعو فيه إلى إنهاء الحرب مع إيران، معتبراً أن الوقت قد حان لـ«إعلان النصر والانسحاب» بدل الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدود السيطرة.
ساكس، الذي عُرف أساساً كرجل أعمال بارز في وادي السيليكون قبل دخوله المعترك السياسي، يشغل موقعاً استشارياً في قضايا الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي داخل الإدارة الأميركية. إلا أن مداخلته الأخيرة لم تأتِ من زاوية تقنية، بل من قراءة استراتيجية لمآلات الحرب، عكست توجهاً مختلفاً داخل دوائر القرار في واشنطن.
في تقييمه للمشهد، يرى ساكس أن الولايات المتحدة حققت بالفعل أهدافاً عسكرية كافية تتيح لها الخروج من المواجهة دون خسارة سياسية. وبحسب منطقه، فإن الاستمرار في العمليات لن يضيف مكاسب نوعية، بل سيزيد من احتمالات التصعيد، خصوصاً في منطقة مشبعة بالتوترات وقابلة للاشتعال على نطاق واسع.
ويحذر ساكس من أن استمرار الحرب قد يفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية، تبدأ بضرب البنية التحتية الحيوية في الخليج، ولا تنتهي عند تهديد إمدادات الطاقة العالمية. هذا القلق لا ينفصل، في نظره، عن تداعيات اقتصادية أوسع قد تطال الأسواق الدولية وسلاسل الإمداد، في لحظة يعتمد فيها الاقتصاد العالمي بشكل متزايد على الاستقرار التكنولوجي والطاقوي معاً.
موقف ساكس يعكس أيضاً حساسية خاصة لدى التيار القادم من عالم الأعمال والتكنولوجيا، حيث تُقاس الحروب ليس فقط بنتائجها العسكرية، بل بكلفتها على الابتكار والنمو والاستثمار. ومن هذا المنطلق، يرفض الانجرار إلى حرب طويلة أو محاولة تغيير الأنظمة بالقوة، مستحضراً تجارب سابقة أثبتت، في نظر كثيرين داخل الولايات المتحدة، أن الانتصار العسكري لا يضمن بالضرورة استقراراً سياسياً.
أهمية هذا الموقف لا تكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته ومصدره. فهو يأتي من داخل فريق دونالد ترامب نفسه، ما يكشف عن وجود تباين في الرؤى حول إدارة الصراع. ففي مقابل أصوات تدفع نحو مواصلة الضغط العسكري، يبرز تيار آخر يدعو إلى الاكتفاء بما تحقق وتجنب الغرق في حرب استنزاف.
في المحصلة، يطرح ديفيد ساكس مقاربة تقوم على مبدأ بسيط في الظاهر، عميق في نتائجه: تحقيق الهدف ثم الخروج. وهي مقاربة تعيد إلى الواجهة نقاشاً أميركياً قديماً حول حدود القوة العسكرية، وما إذا كان استخدامها يجب أن يكون وسيلة محدودة لتحقيق غايات سياسية، أم مدخلاً لصراعات مفتوحة يصعب إنهاؤها.