تصاعدت التحذيرات من استهداف الطواقم الطبية في لبنان، بعد نشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إنذارًا وصف بـ"العاجل والخطير"، هدّد فيه سيارات الإسعاف والمرافق الطبية بشكل مباشر، في خطوة اعتُبرت تصعيدًا غير مسبوق في طبيعة التهديدات المعلنة.
ويُفهم من هذا الإنذار أنه لا يستهدف فقط الجهات التي أشار إليها بشكل مباشر، بل يتجاوز ذلك ليحمل رسائل إلى الحكومة اللبنانية والمجتمع الدولي، في محاولة للضغط من أجل وقف عمل فرق الإسعاف أو إخلاء مواقعها. إلا أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن هذه التهديدات لم تؤدِّ إلى تغيير فعلي، إذ يواصل المسعفون عملهم رغم المخاطر، في حين لم يصدر موقف رسمي حاسم من الحكومة اللبنانية.
ويأتي هذا التطور في ظل تصاعد الاستهدافات اليومية التي تطاول المدنيين والمسعفين والصحافيين والجيش اللبناني، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في وتيرة الهجمات ضد القطاع الصحي خلال الأيام الأخيرة. ويُعد التهديد المباشر للطواقم الطبية مؤشراً على نية تصعيد إضافي في المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، اعتبر المسؤول الإعلامي في الدفاع المدني في الهيئة الصحية، محمود كركي، أن الإنذار يمثل "تصعيدًا خطيرًا جدًا"، موضحًا أنه يشكل تبريرًا مسبقًا لاستهداف الطواقم الطبية والمراكز الصحية، ومحاولة لمنح غطاء لأي اعتداء قد يقع لاحقًا.
ويردّ الجانب الصحي على الاتهامات الإسرائيلية التي تزعم استخدام سيارات الإسعاف والمرافق الطبية لأغراض عسكرية، بالتأكيد على أن هذه الادعاءات تفتقر إلى الأدلة. وأوضح كركي أن العمل الإنساني يتم بشكل موثّق وتحت إشراف الجهات الصحية الرسمية، مشددًا على خلو المرافق والسيارات المستهدفة من أي نشاط عسكري، وهو ما تعكسه صور المواقع التي تعرضت للقصف.
وفي محاولة للرد على هذه الاتهامات، دعا وزير الصحة اللبناني ركان ناصر الدين وسائل الإعلام إلى تفقد آليات الإسعاف والدفاع المدني والصليب الأحمر، والاطلاع على طبيعة الاستهدافات. وخلال مؤتمر صحافي طارئ، عرض صورًا لمنشآت صحية وسيارات إسعاف تعرضت للقصف، متسائلًا عن طبيعة الأهداف التي يتم استهدافها، في إشارة إلى غياب أي مبرر عسكري لهذه الضربات.
وأشار ناصر الدين إلى ارتفاع وتيرة الاعتداءات خلال الأيام الخمسة الأخيرة، معلنًا العمل على إعداد ملف قانوني كامل حول هذه الانتهاكات، تمهيدًا لرفعه إلى مجلس الوزراء ومن ثم تقديم شكوى إلى مجلس الأمن. ومع ذلك، أعرب عن تشكيكه في جدوى هذه الخطوة، معتبرًا أن إسرائيل اعتادت خرق القوانين الدولية ولن تلتزم بها.
ويستند الجدل القانوني إلى نصوص اتفاقيات جنيف، التي تنص بوضوح على حماية الطواقم الطبية ووسائل النقل والمنشآت الصحية، بغض النظر عن انتماءاتها، طالما أنها مخصصة للأغراض الإنسانية. ويُعد استهداف هذه الجهات انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي الإنساني.
من جهته، وصف رئيس دائرة الإعلام والعلاقات العامة في الدفاع المدني التابع لكشافة الرسالة، حسين علوية، التهديدات بأنها "جريمة حرب موصوفة"، معتبرًا أنها تمثل انتهاكًا مباشرًا للمواثيق الدولية والقيم الإنسانية التي تكفل حماية فرق الإغاثة.
ورغم خطورة التصعيد، لم تتخذ الحكومة اللبنانية إجراءات حاسمة لحماية القطاع الصحي أو الرد على التهديدات، في وقت تتزايد فيه الدعوات الموجهة إلى المجتمع الدولي واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسات الحقوقية لتجاوز الإدانة اللفظية واتخاذ خطوات عملية لضمان حماية فرق الإغاثة ومحاسبة المسؤولين عن استهدافها.
وعلى الأرض، يواصل المسعفون أداء مهامهم رغم المخاطر، حيث أكد كركي أنهم مستمرون في عملهم، بينما أشار علوية إلى أن هذا الإصرار يعكس التزامًا أخلاقيًا وإنسانيًا، ووفاءً لزملائهم الذين قضوا أثناء أداء واجبهم.
وتشير الحصيلة الأخيرة إلى سقوط 52 قتيلًا و127 مصابًا في صفوف القطاع الصحي، نتيجة 77 اعتداءً على الجمعيات الإسعافية، و19 مركزًا طبيًا وإسعافيًا، و49 آلية، إضافة إلى تضرر تسعة مستشفيات وإغلاق خمسة أخرى، ما يعكس حجم الخسائر التي تكبدها هذا القطاع الحيوي في ظل التصعيد المستمر.