إبادة صحية في غزة بعد تدمير مجمّع الشفاء

2026.04.03 - 09:36
Facebook Share
طباعة

شكّل مجمّع الشفاء الطبي القلب النابض للقطاع الصحي في غزة لعقود طويلة، بصفته أكبر مؤسسة علاجية متكاملة تمتد على مساحة 48 دونماً وسط مدينة غزة ضمّ المجمع ثلاثة مستشفيات رئيسية وعشرات الأقسام التخصصية، وكان يستقبل يومياً نحو ألف مريض، ويُجري قرابة 32 ألف عملية جراحية سنوياً، بينها عمليات دقيقة مثل القسطرة وزراعة الأعضاء هذا الدور جعله الركيزة الأساسية لأي استجابة طبية في القطاع، في ظل الحصار المزمن وضعف الإمكانات.
بداية الانهيار مع تصاعد الهجمات:
مع اندلاع الحرب في 7 أكتوبر 2023، تحوّل الشفاء إلى مركز استقبال رئيسي لأعداد غير مسبوقة من الضحايا، حيث استقبل في يوم واحد نحو ألف قتيل وأكثر من 2500 جريح. تزايد الضغط على الطواقم الطبية بشكل هائل، بالتزامن مع ضربات استهدفت محيط المستشفى ومرافقه تدريجياً. لاحقاً، تصاعدت وتيرة الاستهداف لتشمل مباني رئيسية مثل أقسام الولادة والعيادات الخارجية والإدارة، وهو تطور أدى إلى تعطيل متزايد للخدمات الحيوية.
الحصار والاجتياح: نقطة التحول
في 10 نوفمبر 2023، فرضت القوات الإسرائيلية حصاراً كاملاً على المجمع، شمل قطع الكهرباء والمياه ومنع إدخال الإمدادات الطبية والغذائية. استمر الوضع تحت ضغط متواصل، قبل اقتحام المجمع في 19 نوفمبر، حيث اعتُقل عشرات من الكوادر الطبية وأُجبر آخرون على المغادرة، الأمر الذي أدى إلى توقف أقسام كاملة وفي مارس 2024، تعرّض المجمع لاجتياح واسع انتهى بتدمير شبه كامل لبنيته التحتية، وخروجه النهائي من الخدمة في أبريل، مع تدمير غرف العمليات ووحدات العناية واكتشاف مقابر جماعية داخل ساحاته.
المعمداني: خط الدفاع الأخير
بعد خروج الشفاء من الخدمة، برز المستشفى الأهلي العربي "المعمداني" كمرفق رئيسي في مدينة غزة. رغم كونه مستشفى متوسط الإمكانات، تحمّل عبء علاج أعداد ضخمة، حيث استقبل يومياً نحو ألف مصاب ومراجع اضطرت الطواقم الطبية إلى إعادة توظيف المساحات، فتحوّلت أقسام غير طبية إلى غرف علاج، واستخدمت أدوات بدائية مثل الشاش العادي ومواد منزلية للتعقيم، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية.
خسائر واسعة في البنية الصحية:
لم يقتصر الضرر على الشفاء، بل شمل معظم القطاع الصحي في غزة. خرج 18 مستشفى من أصل 38 عن الخدمة بشكل كامل، بينما تعمل بقية المنشآت بقدرات جزئية قُدّرت الخسائر المادية بأكثر من 7 مليارات دولار، في حين بلغت الخسائر البشرية 1701 من الكوادر الطبية، إضافة إلى 363 معتقلاً ونحو 700 طبيب غادروا القطاع، وهو وضع أدى إلى فجوة حادة في الكوادر المتخصصة.
انهيار الأجهزة والخدمات الطبية:
تعرضت البنية التقنية لانهيار واسع؛ لم يتبقَّ أي جهاز للرنين المغناطيسي، وبقيت 6 أجهزة تصوير مقطعي من أصل 17، و23 جهاز أشعة من أصل 75، و93 جهاز غسيل كلى من أصل 170 كما فقدت خدمات الإسعاف أكثر من نصف مركباتها البالغ عددها 200 سيارة، في حين دُمّر نحو 48.1% من معدات المختبرات، الأمر الذي أدى إلى تراجع القدرة على التشخيص والسيطرة على الأمراض.
أزمة الأدوية والعلاج:
بلغ العجز في الأدوية نحو 53% من الاحتياجات، و67% من المستهلكات الطبية، وهو وضع انعكس مباشرة على المرضى انخفض عدد مرضى غسيل الكلى من 1100 إلى 670، وفُقد نحو 41% منهم نتيجة نقص العلاج أو تعذر الوصول إلى الخدمات الطبية. كما ينتظر نحو 19 ألفاً و500 مريض تحويلات للعلاج خارج القطاع، في حين لا يتجاوز عدد الحالات التي يُسمح لها بالمغادرة يومياً 10 إلى 11 مريضاً فقط.
تداعيات إنسانية متفاقمة:
أدى هذا الواقع إلى وفاة مئات المرضى، خاصة من المصابين بالأمراض المزمنة، في ظل غياب الأدوية والتشخيص الدقيق كما ساهم تدمير شبكات المياه والصرف الصحي في انتشار الأمراض والأوبئة، مع تراجع القدرة على إجراء الفحوصات المخبرية. باتت الرعاية الصحية في غزة أقرب إلى العمل في ظروف طوارئ دائمة، مع محدودية الموارد وتزايد أعداد المرضى.
محاولات إنعاش محدودة:
رغم حجم الدمار، بدأت محاولات لإعادة تشغيل أقسام طبية محدودة بدعم من منظمات دولية وجهود محلية. تمكن مهندسون من إصلاح بعض الأجهزة عبر تجميع أجزاء من معدات تالفة، وهو ما ساعد على استعادة خدمات جزئية مثل غسيل الكلى والتصوير. غير أن هذه الجهود تبقى محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات.
واقع صحي هش ومستقبل غامض:
المشهد الصحي في غزة يعكس انهيار منظومة متكاملة كانت تمثل خط الدفاع الأول عن حياة السكان. لا يقتصر التحدي على إعادة بناء المنشآت، بل يشمل استعادة الكوادر وتوفير المعدات وضمان تدفق الإمدادات الطبية في ظل استمرار القيود ونقص الموارد، يبقى القطاع الصحي أمام تحديات كبيرة، مع استمرار معاناة المرضى وتراجع فرص الحصول على علاج مناسب. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 4