تتسارع التحولات العسكرية الدولية مع اتساع رقعة النزاعات في أوكرانيا وإيران، الأمر الذي يدفع الدول الأوروبية إلى مراجعة قدراتها الدفاعية، وفي مقدمتها فرنسا التي تواجه أسئلة حادة حول استقلال قرارها العسكري. تقرير برلماني حديث يسلط الضوء على فجوات عميقة داخل المنظومة الدفاعية الفرنسية، ويضع مسألة السيادة التكنولوجية في صلب النقاش السياسي والأمني.
التقرير الذي أعده النائبان فرانسوا كورميه-بولجون وأوريليان سانتول يعيد قراءة مسار العقود الماضية، حيث أدى تقليص الإنفاق الدفاعي بعد نهاية الحرب الباردة إلى تراجع القدرات الصناعية المحلية هذا التراجع لم يقتصر على جانب واحد، بل شمل قطاعات أساسية، بدءاً من الذخيرة وصولاً إلى الفضاء والأنظمة الرقمية.
في قطاع الذخيرة، فقدت فرنسا قدرتها على إنتاج الذخيرة الصغيرة محلياً منذ إغلاق مصنع لومان عام 1999. كما جرى بيع الشركة الوحيدة التي كانت تصنع معدات إنتاج الذخيرة في 2018، وهو ما أدى إلى اعتماد واسع على الاستيراد هذا الواقع دفع الحكومة إلى تخصيص 8.5 مليار يورو لشراء الذخائر خلال الفترة بين 2026 و2030، إلى جانب إطلاق مشروع "فرانس ميونيسيون" لتنظيم الطلبيات وتعزيز الكميات.
أما في مجال الأسلحة الفردية، فيقتصر الإنتاج المحلي على نماذج محدودة، بينما جرى استبدال بندقية "فاماس" التاريخية ببندقية ألمانية من طراز HK416 إغلاق مصنع سان-إيتيان شكل نقطة تحول حاسمة، إذ أدى إلى فقدان أحد أهم مراكز التصنيع العسكري، وفتح الباب أمام اعتماد متزايد على الموردين الأوروبيين.
في ميدان الطائرات المسيّرة، تعتمد فرنسا على طائرة "ريبر" الأميركية للمهام الاستراتيجية، وهو ما يحد من هامش القرار العملياتي، خاصة مع حضور تقني أميركي في مراحل التشغيل في المقابل، تواجه الطائرات المسيّرة التكتيكية الفرنسية صعوبات في الإنتاج الواسع، إضافة إلى ارتفاع التكلفة مقارنة بنظيراتها التركية والصينية والأوكرانية، الأمر الذي يدفع نحو اللجوء إلى الأسواق الخارجية.
يمتد هذا الاعتماد إلى قطاع الفضاء، حيث تعتمد باريس على الأقمار الصناعية الأميركية في مجالات الاتصالات والاستخبارات والمراقبة. المشروع الأوروبي البديل "إيريس" يواجه تعثراً بعد انسحاب شركاء رئيسيين، وهو ما يزيد من فجوة الاستقلال التكنولوجي ويحد من الخيارات المتاحة.
في المشاريع الكبرى، تظهر التبعية بوضوح، إذ تتضمن حاملة الطائرات الجديدة تقنيات أميركية أساسية مثل المنجنيقات الكهرومغناطيسية، وهو ما يفرض الحاجة إلى دعم خارجي في الصيانة والتشغيل لفترات طويلة، هذا النوع من الاعتماد يقلص قدرة فرنسا على العمل بشكل مستقل في العمليات البحرية الممتدة.
على الصعيد الرقمي، تعتمد وزارة الدفاع على شركات أجنبية في جزء كبير من بنيتها التقنية، مع تركّز نحو 85% من المشتريات لدى موردين غير فرنسيين، الوضع يثير مخاوف تتعلق بأمن البيانات والسيادة الرقمية، خاصة في ظل الدور المتزايد للتكنولوجيا في إدارة العمليات العسكرية.
التقرير يخلص إلى أن فرنسا تقف أمام مفترق طرق استراتيجي، بين استعادة قدراتها الصناعية والتكنولوجية عبر استثمارات طويلة الأمد، أو الاستمرار في الاعتماد على شركاء خارجيين، وهو خيار يحمل تبعات مباشرة على استقلال القرار العسكري.
الواقع يفرض إعادة صياغة الأولويات الدفاعية، ووضع السيادة التكنولوجية في قلب الاستراتيجية الوطنية خلال المرحلة المقبلة.