شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن اجتماعاً استمر نحو ساعتين ونصف بين وفدين لبناني وإسرائيلي، برعاية أمريكية، خلص إلى اتفاق مبدئي على إطلاق مفاوضات مباشرة لاحقاً، من دون تحديد مكان أو موعد انعقادها. وجاء هذا التطور في سياق نقاشات تتعلق بإمكانية التوصل إلى تهدئة ووقف إطلاق النار، في ظل استمرار التصعيد العسكري الإسرائيلي في لبنان.
ويُعد هذا اللقاء، الذي استضافته وزارة الخارجية الأمريكية، أول تواصل سياسي رفيع المستوى وواسع النطاق بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية منذ عام 1993، ما يمنحه أهمية سياسية لافتة على مستوى المسار الدبلوماسي في المنطقة.
شارك في الاجتماع كل من سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، وسفير إسرائيل لدى واشنطن يحيئيل لايتر، إلى جانب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وسفير الولايات المتحدة لدى لبنان ميشال عيسى، ومستشار الخارجية الأمريكية مايكل نيدهام، في إطار صيغة ثلاثية برعاية واشنطن.
ووفق بيانات أمريكية وإسرائيلية مشتركة، إضافة إلى بيان صادر عن الخارجية الأمريكية، فقد أسفر الاجتماع عن سبعة مخرجات رئيسية شكلت الإطار العام للتفاهمات الأولية بين الأطراف.
أول هذه المخرجات هو الاتفاق على إطلاق مفاوضات مباشرة بين الجانبين في وقت ومكان سيتم تحديدهما لاحقاً، بما يفتح الباب أمام مسار تفاوضي جديد بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية.
ثانياً، تم التأكيد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة حزب الله، وفق الصياغة الواردة في البيان الأمريكي، وهو ما يعكس الموقف الأمريكي الداعم لهذا التوجه.
ثالثاً، جرى التأكيد على التزام إسرائيل بالعمل مع الحكومة اللبنانية في مسار يهدف إلى نزع سلاح الجماعات غير الحكومية، وفي مقدمتها حزب الله، باعتباره أحد أبرز ملفات التفاوض المطروحة.
رابعاً، أعلنت واشنطن دعمها لما وصفته بخطط الحكومة اللبنانية الرامية إلى استعادة احتكار استخدام القوة داخل الدولة، وإنهاء ما اعتبرته نفوذاً إيرانياً مفرطاً في لبنان.
خامساً، أعربت الولايات المتحدة عن تطلعها إلى أن تتجاوز المحادثات الإطار الضيق لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في عام 2024، بما يفتح المجال أمام ترتيبات أوسع وأطول أمداً.
سادساً، تم التأكيد على أن مسار المفاوضات قد يتيح فرصاً مستقبلية لدعم جهود إعادة إعمار لبنان، في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية وأمنية أوسع.
سابعاً، شددت واشنطن على أن أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية يجب أن يتم حصراً بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية، وبوساطة أمريكية مباشرة، من دون إدخال مسارات تفاوضية موازية.
في المقابل، وصفت السفيرة اللبنانية في واشنطن الاجتماع بأنه إيجابي و”تمهيدي”، مشيرة إلى أنها شددت خلاله على ضرورة التنفيذ الكامل لاتفاق وقف الأعمال العدائية المعلن في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، إضافة إلى التأكيد على سيادة لبنان ووحدة أراضيه.
كما دعت إلى وقف إطلاق النار، وتأمين عودة النازحين إلى مناطقهم، واتخاذ إجراءات عاجلة للتخفيف من الأوضاع الإنسانية المتدهورة نتيجة استمرار العمليات العسكرية.
أما الجانب الإسرائيلي، فقد نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن السفير لدى واشنطن أن المحادثات كانت “ممتازة”، مؤكداً وجود توافق على ضرورة إنهاء نفوذ حزب الله داخل لبنان، وعلى ما وصفه بإعادة تشكيل مستقبل العلاقة على الحدود بين البلدين.
وأضاف أن بلاده تنظر إلى نتائج الاجتماع بوصفها تقدماً مهماً في مسار تحقيق أهدافها السياسية والأمنية، مشيراً إلى أن هناك قناعة بأن حزب الله تعرض لضعف كبير، ما يفتح نافذة سياسية للتحرك.
وفي المقابل، تحدث عن تصور إسرائيلي لمستقبل الحدود مع لبنان على أساس علاقة مستقرة وطويلة الأمد، خالية من المواجهات، وفق تعبيره.
كما أشار إلى أن الموقف الفرنسي لا يحظى بترحيب إسرائيلي، مع التأكيد على أن الولايات المتحدة تبقى الوسيط الأساسي في هذا المسار.
وفي سياق آخر، نقلت تقارير إسرائيلية أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ينظر إلى بدء هذه المفاوضات باعتبارها خطوة تكتيكية قد تُستخدم لكسب الوقت دون وقف العمليات العسكرية، مع إبراز استعداد للتجاوب مع الضغوط الأمريكية.
وفي الميدان، تزامن الاجتماع مع استمرار التصعيد العسكري، حيث شن الجيش الإسرائيلي غارات استهدفت عشرات المدن والبلدات في لبنان، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، وفق بيانات ميدانية.
في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ عشرات العمليات ضد مواقع وتجمعات عسكرية إسرائيلية شمالي الأراضي الفلسطينية المحتلة، شملت إطلاق صواريخ واستهداف قواعد عسكرية ومواقع انتشار.
كما شهد شمال إسرائيل ومناطق في الجولان المحتل إطلاق صفارات إنذار متكررة نتيجة هذه الهجمات، في ظل استمرار التوتر العسكري على جانبي الحدود بالتوازي مع المسار السياسي الناشئ.