يدخل لبنان مرحلة اقتصادية شديدة الحساسية مع الانتقال من هدنة إلى أخرى أقل تصعيداً، وسط محاولات لاحتواء تداعيات الحرب والأزمة المالية المتواصلة منذ سنوات وبين مؤشرات تعافٍ محدودة وضغوط معيشية متصاعدة، يواصل الاقتصاد اللبناني التحرك داخل دائرة هشّة تجمع بين الانكماش والتضخم والاعتماد المتزايد على الخارج.
سجّل الاقتصاد اللبناني خلال عام 2025 تحسناً نسبياً بمعدلات نمو تراوحت بين 3.5% و5%، مدفوعاً بانتعاش قطاعي السياحة والخدمات وارتفاع تحويلات المغتربين. لكن هذا التحسن بقي محدود التأثير، مع بقاء الناتج المحلي الإجمالي أقل بكثير من مستوياته قبل أزمة عام 2019، بعدما خسر الاقتصاد نحو 40% من حجمه خلال السنوات الماضية.
تشير التقديرات الأولية لعام 2026 إلى احتمال عودة الانكماش الاقتصادي نتيجة تداعيات الحرب وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، ما يهدد المكاسب المحدودة التي تحققت خلال العام السابق.
ارتفع التضخم مجدداً بفعل صدمة الطاقة، بعدما تراجع نسبياً خلال 2025 إلى حدود 14 ـ 15%، ليصل في مطلع 2026 إلى نحو 17% على أساس سنوي ويعود ذلك إلى زيادة أسعار النفط عالمياً، في ظل اعتماد لبنان على الاستيراد لتأمين أكثر من 80% من احتياجاته الطاقوية.
أدى ارتفاع كلفة الطاقة إلى توسيع العجز التجاري واستنزاف القدرة الشرائية، خصوصاً ضمن اقتصاد شبه مُدولر تنتقل فيه صدمات الأسعار بسرعة إلى الأسواق المحلية والمستهلكين.
يحافظ سعر صرف الليرة اللبنانية على استقرار نسبي محدود خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي ساهم مؤقتاً في تهدئة وتيرة التضخم، غير أن العملة المحلية فقدت أكثر من 97% من قيمتها منذ بداية الأزمة المالية.
يستمر الاعتماد الواسع على الدولار النقدي داخل الاسوق اللبنانية، ما يضعف قدرة المصرف المركزي على إدارة السياسة النقدية ويزيد هشاشة الاقتصاد أمام أي صدمات خارجية جديدة.
تبقى المالية العامة واحدة من أخطر نقاط الضعف في البلاد، إذ يُقدّر الدين العام بأكثر من 350% من الناتج المحلي الإجمالي، ليُصنّف بين أعلى معدلات الدين في العالم، وسط عجز مزمن وضعف شديد في الإيرادات الحكومية.
تفاقمت الضغوط المالية مع ارتفاع أسعار الطاقة، نتيجة الحاجة إلى تمويل قطاع الكهرباء وبرامج الدعم الاجتماعي، في وقت تواجه فيه الدولة قدرة محدودة على الاقتراض أو تأمين مصادر تمويل جديدة.
تُقدّر كلفة إعادة الإعمار بعد الحرب بنحو 11 مليار دولار، وهو رقم يفوق إمكانات الدولة اللبنانية التي تعاني أصلاً من أزمة سيولة وغياب التمويل الخارجي الكافي.
يبقى القطاع المصرفي في قلب الأزمة الاقتصادية، بعدما تجاوزت الخسائر التراكمية منذ عام 2019 حاجز 70 مليار دولار، من دون التوصل إلى خطة نهائية لمعالجة الانهيار المالي وإعادة هيكلة المصارف.
لا تزال ودائع المواطنين خاضعة لقيود صارمة، بينما تستمر أزمة الثقة بالمصارف، ما يعرقل الاستثمار ويحدّ من فرص التعافي الاقتصادي المستدام.
يعتمد لبنان بصورة متزايدة على التمويل الخارجي وبرامج المساعدات الدولية لدعم شبكات الحماية الاجتماعية والتخفيف من تداعيات الفقر والنزوح والأزمة المعيشية.
يبقى التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي شرطاً أساسياً لإعادة هيكلة الدين واستعادة ثقة المجتمع الدولي وفتح باب التمويل والإصلاحات الاقتصادية.
وتواصل المؤسسات الإنسانية الدولية توسيع تدخلاتها داخل لبنان مع ارتفاع معدلات الفقر وتزايد الضغوط الاجتماعية الناتجة عن النزوح والأزمة الاقتصادية الممتدة.
تعكس المرحلة الحالية واقع “تعافٍ هش تحت الضغط”، حيث يتقاطع النمو المحدود مع تضخم مرتفع وعملة ضعيفة وقطاع مصرفي متعثر وعجز مالي متفاقم.
قد تساهم الهدنة الثانية في تخفيف التوترات الأمنية، لكنها لا تعالج جذور الانهيار الاقتصادي، في ظل غياب الإصلاحات البنيوية واستمرار التعثر السياسي والمالي.
يرى مراقبون أن الخروج من الأزمة يتطلب مساراً إصلاحياً شاملاً يشمل إعادة هيكلة الدين والمصارف، وتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية عميقة، إلى جانب اتفاق واضح مع صندوق النقد الدولي يفتح الباب أمام مرحلة تعافٍ أكثر استقراراً.