حذر الرئيس البوليفي رودريغو باز من دخول بلاده مرحلة خطيرة مع استمرار الاحتجاجات الواسعة التي تشهدها المدن الرئيسية منذ أسابيع، مؤكداً أن الأوضاع وصلت إلى مستوى وصفه بأنه لم يعد قابلاً للتحمل، في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية متفاقمة.
وقال باز في خطاب متلفز إن الدولة تحتاج إلى استعادة النظام، مشيراً إلى أن استمرار إغلاق الطرق والاضطرابات أدى إلى سقوط ضحايا وتفاقم نقص المواد الأساسية، مضيفاً أن الحكومة ما زالت تفضل الحوار لكنها قد تلجأ إلى إجراءات دستورية إذا استمرت الأزمة.
تلويح بإعلان حالة الطوارئ
الرئيس البوليفي لم يستبعد استخدام صلاحيات استثنائية لإنهاء الحصار المفروض على العاصمة لاباز، في إشارة إلى احتمال إعلان حالة الطوارئ، خاصة بعد تصويت الكونغرس على توسيع صلاحيات الجيش في التعامل مع الاضطرابات المدنية.
وبموجب هذه التعديلات، أصبح بإمكان السلطات تكليف الجيش باستعادة النظام العام لفترة قد تصل إلى ستين يوماً، وهو ما تعتبره الحكومة خياراً أخيراً في حال فشل المساعي السياسية والأمنية الحالية.
وأكد باز أن أي محاولة لإدخال البلاد في الفوضى ستواجه بما وصفه بقوة الدستور، مشدداً على دعمه الكامل للشرطة والقوات المسلحة في مواجهة التوترات المتصاعدة.
احتجاجات واسعة وغضب شعبي متزايد
تشهد العاصمة لاباز ومدن أخرى احتجاجات متواصلة يشارك فيها عمال وقطاعات شعبية وأعداد كبيرة من السكان الأصليين، الذين يطالبون باستقالة الرئيس بسبب الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار ونقص الوقود والمواد الغذائية.
وشهدت شوارع العاصمة مسيرات حاشدة، بينها تظاهرات لنساء من السكان الأصليين ارتدين الأزياء التقليدية تضامناً مع سائقي النقل المضربين، فيما ردد متظاهرون شعارات تطالب برحيل الحكومة وتحملها مسؤولية التدهور المعيشي.
أزمة معيشية ونقص حاد بالإمدادات
تسببت الاحتجاجات وإغلاق الطرق في تعطيل وصول الإمدادات إلى العاصمة ومناطق أخرى، ما أدى إلى نقص حاد في الغذاء والوقود والأدوية، إضافة إلى ارتفاع كبير في الأسعار.
كما بدأت المستشفيات تواجه ضغوطاً متزايدة مع تراجع مخزون الأدوية والأوكسجين، بينما تحدث أطباء عن قرب نفاد بعض المواد الطبية الأساسية، الأمر الذي زاد المخاوف من أزمة إنسانية أوسع.
وأعلنت الحكومة أن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الاحتجاجات تجاوزت مئات الملايين من الدولارات، في وقت اختفت فيه العديد من السلع الأساسية من الأسواق والمتاجر.
بداية الاحتجاجات وتحولها إلى مواجهة مفتوحة
بدأت التحركات الشعبية مطلع مايو/أيار الجاري بمطالب اقتصادية تتعلق برفع الأجور وتحسين الإمدادات وإلغاء بعض الإصلاحات الحكومية، قبل أن تتوسع لاحقاً وتتحول إلى احتجاجات سياسية واسعة تطالب بإسقاط الحكومة.
ورغم إعلان الرئيس سلسلة إجراءات لاحتواء الغضب، بينها تخفيض راتبه وإلغاء قانون إصلاح أراضٍ أثار جدلاً واسعاً، فإن تلك الخطوات لم تنجح في تهدئة الشارع أو وقف الاحتجاجات.
كما أقال باز وزير العمل الذي واجه انتقادات كبيرة، وتعهد بإشراك النقابات والسكان الأصليين بشكل أوسع في صنع القرار، لكن المحتجين اعتبروا تلك الإجراءات غير كافية.
أسباب التوتر وتصاعد الغضب الشعبي
يرى معارضون أن سياسات الحكومة الاقتصادية، خصوصاً إلغاء دعم الوقود، ساهمت بشكل مباشر في ارتفاع الأسعار وتفاقم الضغوط المعيشية، حيث سجلت أسعار بعض المواد الأساسية زيادة كبيرة خلال الأشهر الماضية.
كما أثارت مشاريع إصلاح الأراضي مخاوف لدى المجتمعات الريفية والسكان الأصليين، الذين اعتبروا أنها تصب في مصلحة الشركات الزراعية الكبرى على حساب صغار المزارعين.
وتتهم الحكومة أطرافاً سياسية مرتبطة بالرئيس السابق إيفو موراليس بالوقوف خلف جزء من التحركات الحالية، في حين ينفي معارضو باز هذه الاتهامات ويعتبرون أن الأزمة ناتجة عن فشل السياسات الحكومية.
حصار لاباز يعمق الأزمة الوطنية
ساهمت الطبيعة الجغرافية للعاصمة لاباز في جعل الحصار المفروض عليها أكثر تأثيراً، إذ أدت الحواجز المقامة على الطرق الجبلية المؤدية إليها إلى عزل المدينة وتعطيل تدفق المواد الأساسية.
ولا تزال آلاف الشاحنات المحملة بالغذاء والوقود والإمدادات الطبية عالقة على الطرق، بينما اضطرت السلطات إلى استخدام طائرات عسكرية لنقل بعض المواد الضرورية مثل الدجاج المدعوم والإمدادات الطبية.
كما أعلنت الحكومة وفاة عدد من الأشخاص نتيجة تعطل الرعاية الطبية ونقص الإمدادات، في وقت تستمر فيه المستشفيات بتقنين استخدام الموارد المتوفرة لديها.
انقسام إقليمي ودولي حول الأزمة
أثارت التطورات في بوليفيا ردود فعل متباينة على المستوى الدولي، حيث أعلنت حكومات مقربة من واشنطن دعمها للرئيس باز واعتبرت الاحتجاجات تهديداً للاستقرار.
في المقابل، أبدت بعض الحكومات اليسارية في أمريكا اللاتينية تأييدها للتحركات الشعبية، معتبرة أنها تعبير عن احتجاج اجتماعي وسياسي مشروع، ما أدى إلى توتر دبلوماسي بين بوليفيا وبعض الدول في المنطقة.
أما الولايات المتحدة، فأكدت دعمها للحكومة البوليفية، ووصفت الاحتجاجات بأنها محاولة لزعزعة الاستقرار، في وقت أغلقت فيه السفارة الأمريكية في لاباز أبوابها مؤقتاً بسبب التوترات الأمنية.