في ظل التوازنات الدقيقة التي تحكم علاقة العراق بكل من الولايات المتحدة و إيران، عادت ملفات النفوذ الاقتصادي والاستثمارات المرتبطة بالشركات الإيرانية إلى الواجهة، بعد معلومات تحدثت عن حصول شركات ذات صلة بإيران على عقود كبيرة في قطاعات حيوية داخل العراق، تشمل الكهرباء والنفط والمشاريع الحكومية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن شركتين إيرانيتين تمكنتا خلال السنوات الماضية من تعزيز حضورهما في السوق العراقية عبر شراكات أو واجهات محلية، ما أتاح لهما الحصول على عقود تتعلق بمشاريع إنتاج الطاقة وإدارة بعض الخدمات المرتبطة بقطاع الكهرباء في عدد من المحافظات العراقية. وتُقدَّر قيمة هذه العقود بمليارات الدولارات، ما يجعلها من بين أكبر المشاريع المنفذة في هذا القطاع خلال الفترة الأخيرة.
كما امتد نشاط الشركتين إلى قطاع النفط، حيث حصلتا على فرص استثمارية وتشغيلية في عدد من المشاريع النفطية، من بينها عقود مرتبطة بإدارة وتشغيل منشآت استراتيجية، في إطار التعاون القائم بين بغداد وشركات إقليمية ودولية تعمل في قطاع الطاقة.
وبحسب المعلومات المتداولة، لم يقتصر نشاط الشركتين على قطاعي الكهرباء والنفط، بل شمل أيضاً مشاريع إنشائية ومقاولات مرتبطة بمؤسسات حكومية ومرافق عامة، إضافة إلى علاقات مالية ومصرفية داخل العراق ساعدت على توسيع نطاق أعمالهما.
وفي سياق متصل، برزت خلال الفترة الماضية تقارير تتحدث عن تحويلات وأموال نُقلت من العراق إلى إيران خلال فترات التوتر الإقليمي الأخيرة. وتشير هذه المعلومات إلى أن مبالغ مالية كبيرة جرى تداولها خارج الأطر التقليدية، وسط حديث عن دور لبعض الجهات والشخصيات السياسية في عمليات الدعم المالي خلال مراحل شهدت تصعيداً عسكرياً في المنطقة.
كما أثيرت تساؤلات بشأن مصير أموال إيرانية مودعة أو متداولة داخل العراق، في ظل استمرار العقوبات الأميركية المفروضة على طهران، وما يرافقها من قيود مصرفية ومالية تؤثر على حركة الأموال والتعاملات التجارية بين البلدين.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات العراقية ـ الأميركية نقاشات متواصلة حول ملفات الأمن والاقتصاد والنفوذ الإقليمي. وتبدي واشنطن اهتماماً متزايداً بمسار العلاقة بين بغداد وطهران، خصوصاً في ما يتعلق بالتعاملات المالية ودور الفصائل المسلحة والقوى السياسية القريبة من إيران في المشهد العراقي.
وفي هذا الإطار، تتحدث أوساط سياسية عن ضغوط أميركية تهدف إلى إعادة تنظيم بعض جوانب العلاقة بين العراق وإيران، سواء على المستوى المالي أو الأمني، بالتزامن مع مساعٍ لتعزيز دور مؤسسات الدولة العراقية وتقليص تأثير الجهات غير الرسمية في إدارة الملفات الاستراتيجية.
كما تتزامن هذه المعطيات مع استمرار الزيارات واللقاءات التي يجريها مسؤولون إيرانيون في العراق، وما تثيره من نقاشات بشأن طبيعة الدور الإيراني ومستقبل التوازنات السياسية والأمنية في البلاد، في مرحلة تبدو فيها بغداد أمام تحدي الحفاظ على علاقاتها الإقليمية والدولية من جهة، وحماية مصالحها الاقتصادية والسيادية من جهة أخرى.
وتعكس هذه الملفات حجم التعقيدات التي تحيط بالمشهد العراقي، حيث تتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع الحسابات السياسية والأمنية، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى إدارة علاقاتها الخارجية ضمن توازنات دقيقة تفرضها التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.