أوروبا تتحرك لحجز مقعد مؤثر بأوكرانيا

2026.06.07 - 09:16
Facebook Share
طباعة

يتصدر ملف الحرب الروسية الأوكرانية جدول أعمال القادة الأوروبيين قبيل انعقاد قمة الاتحاد الأوروبي المقررة يومي 18 و19 يونيو الجاري، وسط مساعٍ متزايدة لتعزيز الدور الأوروبي في الجهود الرامية إلى إنهاء النزاع الذي دخل مرحلة جديدة من التعقيد السياسي والعسكري.

 

وشهدت الأيام الأخيرة حراكاً دبلوماسياً مكثفاً تمثل في إعداد مسودة جديدة لبيان القمة الأوروبية، تضمنت للمرة الأولى دعوة واضحة إلى توسيع مشاركة الاتحاد الأوروبي في مسار التسوية السياسية، بالتزامن مع تحرك مشترك تقوده ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة بالتنسيق مع أوكرانيا.

 

مسودة تعزز الحضور الأوروبي

وتنص المسودة على استعداد الاتحاد الأوروبي للاضطلاع بدور أكبر في المسار الدبلوماسي المتعلق بالحرب، مع التشديد على ضرورة أن تبدي موسكو التزاماً حقيقياً بالمفاوضات وقبول وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار.

 

وفي الوقت نفسه، أظهرت النقاشات داخل أروقة الاتحاد استمرار التباين بشأن آليات المشاركة الأوروبية في أي مفاوضات مستقبلية، لا سيما في ظل عدم التوافق حتى الآن على تعيين مبعوث أوروبي خاص يتولى إدارة هذا الملف.

 

تحرك ثلاثي بالتنسيق مع كييف

بالتوازي مع ذلك، كشفت تقارير عن جهود مشتركة بين ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، بالتنسيق المباشر مع الحكومة الأوكرانية، لإعداد إطار تفاوضي قد يشكل قاعدة لأي اتصالات سياسية مقبلة مع روسيا.

 

وتركز هذه المشاورات على بلورة رؤية أوروبية موحدة تتعلق بشكل المفاوضات والضمانات المطلوبة وآليات إشراك الأطراف الدولية المعنية، فيما تؤكد مصادر أوروبية أن قرار الدخول في أي مفاوضات أو تحديد توقيتها يبقى بيد القيادة الأوكرانية، وأن التحركات الحالية تتم بالتنسيق الكامل مع كييف.

 

موقف أوروبي واضح

وعلى المستوى السياسي، أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، خلال الاجتماعات الوزارية الأخيرة، أن الاتحاد الأوروبي يدعم أوكرانيا بشكل مباشر، ولا ينظر إلى نفسه باعتباره طرفاً محايداً في النزاع.

 

في المقابل، وجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي دعوة مباشرة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لعقد لقاء شخصي في دولة محايدة، مقترحاً أن يتزامن الاجتماع مع وقف شامل لإطلاق النار وتنفيذ عملية تبادل أسرى وفق صيغة "الكل مقابل الكل".

 

كسب الوقت وإعادة التموضع

ويرى المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية الدكتور نبيل رشوان أن تنامي التحرك الأوروبي قبيل القمة يعكس إدراكاً متزايداً لدى العواصم الأوروبية بأن الحرب في أوكرانيا باتت ترتبط بصورة مباشرة بأمن القارة ومستقبل توازناتها الاستراتيجية.

 

وأوضح أن العديد من الدول الأوروبية لم تكن راضية عن بعض الطروحات التي برزت خلال الفترة الماضية بشأن التسوية، ولا عن حجم التنازلات المحتملة التي قد تستفيد منها موسكو، ما دفعها إلى تعزيز حضورها في الملف بمجرد ظهور مؤشرات روسية حول إمكانية إشراك أوروبا في أي عملية تفاوضية.

 

وأشار رشوان إلى أن استمرار الحرب يمنح بعض الدول الأوروبية فرصة لإعادة بناء قدراتها العسكرية والدفاعية، في ظل توجه متزايد نحو تحمل مسؤولية الأمن الأوروبي بصورة أكبر وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.

 

وأضاف أن ألمانيا وفرنسا وبريطانيا ستكون حاضرة بشكل أو بآخر في أي مسار تفاوضي مقبل، سواء عبر تمثيل مباشر أو من خلال صيغة أوروبية موحدة، مؤكداً أن الأوروبيين يتعاملون بحذر مع أي تسوية قد تمنح روسيا مكاسب استراتيجية طويلة الأمد.

 

ولفت إلى أن موسكو تسعى من جهتها إلى وقف ما تعتبره ضغوطاً وتوسعات متواصلة من جانب حلف حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي يجعل فرص التوصل إلى تسوية نهائية مرتبطة بتفاهمات أمنية أوسع تتجاوز حدود الساحة الأوكرانية.

 

قلق أوروبي متصاعد

من جانبه، قال المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية كارزان حميد إن التحركات الفرنسية والبريطانية والألمانية الأخيرة تعكس تنامي القلق الأوروبي من استمرار الحرب دون أفق سياسي واضح، كما تكشف وجود تباينات داخلية بشأن كيفية إدارة العلاقة مع موسكو.

 

وأوضح أن هناك اختلافاً بين توجهات مؤسسات الاتحاد الأوروبي التي تواصل دعم سياسة العقوبات، وبين بعض العواصم الأوروبية التي باتت تبحث عن مخرج سياسي يحد من الكلفة الاقتصادية والأمنية المتزايدة للحرب.

 

وأشار حميد إلى أن أوروبا تواجه تداعيات مباشرة للأزمة في مجالات الاقتصاد والطاقة والأمن، بينما تشعر العديد من العواصم بأن الولايات المتحدة حققت جانباً مهماً من أهدافها الاستراتيجية منذ اندلاع الحرب، في حين تحملت أوروبا الجزء الأكبر من التبعات.

 

وأضاف أن بروكسل تسعى حالياً إلى تعزيز استقلاليتها السياسية والعسكرية، إلا أن قدرتها على بلورة مبادرة موحدة ما زالت تواجه تحديات ناجمة عن تباين أولويات الدول الأعضاء.

 

كما لفت إلى أن روسيا لا تزال تمتلك هامشاً واسعاً للمناورة السياسية والعسكرية، ما يجعل نجاح أي تحرك أوروبي مرتبطاً بمدى القدرة على إقناع موسكو بالعودة إلى مسار تفاوضي جديد.

 

وأكد حميد أن بعض القوى الأوروبية تتبنى مقاربة مزدوجة تقوم على احتواء تداعيات الحرب من جهة، والحفاظ على أدوات الضغط تجاه روسيا من جهة أخرى، معتبراً أن المبادرة الثلاثية الحالية تمثل محاولة لإعادة تنشيط المسار السياسي، لكن نجاحها سيظل مرهوناً بقدرتها على معالجة الأسباب التي أدت إلى تعثر جولات التفاوض السابقة.

 

ترقب لنتائج قمة بروكسل

ومع اقتراب انعقاد قمة الاتحاد الأوروبي، تتجه الأنظار إلى بروكسل لمعرفة مدى قدرة الدول الأوروبية على ترجمة حراكها السياسي إلى دور فعلي في مسار التسوية الأوكرانية. وبين المسودة الأوروبية الجديدة والمبادرة المشتركة التي تقودها باريس وبرلين ولندن، تبدو القارة الأوروبية أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على التحول من داعم رئيسي لكييف إلى شريك مؤثر في رسم ملامح أي تسوية سياسية محتملة للحرب. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى

أبرز العناوين ذات الصلة:


كييف اوكرانيا روسيا الاتحاد الأوروبي

اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 2