عجز تجاري متفاقم نتيجة ضعف الإنتاج اللبناني

2026.06.11 - 09:59
Facebook Share
طباعة

 يستمر الاقتصاد اللبناني في تسجيل فجوة كبيرة بين الاستيراد والإنتاج المحلي، إذ تشير بيانات اقتصادية حديثة إلى أن لبنان يستورد كميات ضخمة من السلع التي يمتلك القدرة على تصنيع جزء كبير منها داخل البلاد، ما يؤدي إلى استنزاف متواصل للعملات الأجنبية وتفاقم العجز التجاري.

 

وبحسب أرقام «دليل الصادرات والمؤسسات الصناعية اللبنانية»، بلغت قيمة السلع التي يستوردها لبنان رغم وجود بدائل صناعية محلية لها نحو 9.23 مليارات دولار خلال عام 2025، في حين لم تتجاوز قيمة الصادرات الصناعية المحلية 2.86 مليار دولار، ما يعكس فجوة تتجاوز 6.3 مليارات دولار من السلع التي يمكن نظرياً إنتاج جزء كبير منها داخل السوق اللبنانية.

 

وتشير هذه المعطيات إلى أن المشكلة لا تقتصر على حجم الاستيراد بحد ذاته، بل على غياب سياسات اقتصادية قادرة على توجيه الاستهلاك نحو الإنتاج المحلي أو تقليص الاعتماد على السلع المستوردة، ما يؤدي إلى خروج كميات كبيرة من الدولار من الدورة الاقتصادية الداخلية بدل إعادة تدويرها في الاستثمار والإنتاج والتشغيل.

 

كما ينعكس هذا الواقع مباشرة على ميزان المدفوعات والاحتياطي النقدي، في وقت يعاني فيه لبنان من ضغوط مالية ونقدية حادة. وتقدّر أوساط صناعية أن الصناعة اللبنانية قادرة على خفض فاتورة الاستيراد بنحو 5 مليارات دولار، في حال اعتماد سياسات حماية ذكية تستهدف منع الإغراق وتحفيز الإنتاج المحلي بدل ترك السوق مفتوحة بالكامل أمام المنافسة الخارجية غير المتكافئة.

 

وفي هذا السياق، يشير رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية جمال حيدر إلى أن جذور المشكلة تعود إلى تراكمات في السياسات الاقتصادية المعتمدة خلال العقود الماضية، والتي جعلت الاستيراد أكثر سهولة وربحية من التصنيع والزراعة، في ظل غياب استراتيجية صناعية واضحة تدعم القطاعات الإنتاجية.

 

ويضيف أن كلفة الإنتاج المحلي في لبنان تبقى مرتفعة نتيجة عوامل متعددة تشمل أسعار الطاقة، والنقل، والتمويل، والضرائب، ما يضعف قدرة المنتج المحلي على المنافسة أمام السلع المستوردة التي غالباً ما تكون مدعومة أو منخفضة الكلفة.

 

ويعتبر حيدر أن الحل لا يكمن في إغلاق الأسواق أو اعتماد حماية عشوائية، بل في إعادة ضبط السياسات الاقتصادية عبر خفض الرسوم على المواد الأولية والوسيطية المستخدمة في الإنتاج، مقابل رفع تدريجي للرسوم على السلع النهائية التي تمتلك بدائل محلية، بما يعزز قدرة الصناعة اللبنانية على المنافسة.

 

إلا أن الإجراءات المعتمدة حتى الآن بقيت محدودة التأثير، إذ اقتصر التدخل على فرض رسم مقطوع بنسبة 3% على بعض السلع المستوردة، وهي نسبة يعتبرها الصناعيون غير كافية لإحداث تغيير حقيقي في ميزان المنافسة أو الحد من الاستيراد الإغراقي.

 

عملياً، كان يُفترض بهذه الرسوم أن ترفع كلفة السلع المستوردة بما يمنح المنتج المحلي فرصة أكبر داخل السوق، إلا أن ضعف نسبتها وعدم شمولها لقطاعات واسعة جعلا تأثيرها محدوداً، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بالاتفاقيات التجارية والعلاقات الاقتصادية الخارجية.

 

كما يلفت حيدر إلى أن غياب معايير الجودة الصارمة والمواصفات الرقابية سمح بدخول كميات كبيرة من السلع الرخيصة إلى السوق اللبنانية، ما أدى إلى إضعاف قدرة المصانع المحلية على التوسع والصمود، خاصة في ظل ارتفاع كلفة التشغيل.

 

ويشير أيضاً إلى أن التهريب الجمركي والتلاعب بالفواتير يساهمان في تعميق المنافسة غير المتكافئة بين المنتج المحلي والمستورد، ما يستدعي اعتماد رقمنة شاملة للجمارك، وتشديد الرقابة على المعابر، وربط التخليص الجمركي إلكترونياً بالنظام الضريبي.

 

وفي السياق نفسه، يدعو إلى اعتماد حوافز ضريبية للصناعات المحلية التي تستخدم مدخلات لبنانية وتوفر فرص عمل داخلية، مع إعفاء جزئي للصادرات الصناعية والزراعية من الضرائب، إضافة إلى إعطاء أفضلية فعلية للمنتج المحلي في المشتريات الحكومية.

 

ويشدد حيدر على أن أي خطة تعافٍ اقتصادي لا يمكن أن تنجح من دون الانتقال من نموذج الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد إنتاجي، يقوم على خفض كلفة الطاقة، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التعليم المهني، ودعم الابتكار الصناعي، وإنشاء مناطق صناعية حديثة قادرة على جذب الاستثمار.

 

وتُظهر بيانات إدارة الجمارك اللبنانية استمرار العجز التجاري، إذ بلغت قيمة الواردات نحو 5.38 مليارات دولار خلال الربع الأول من عام 2026، مقابل صادرات لم تتجاوز 630.7 مليون دولار، ما أدى إلى عجز بلغ 4.7 مليارات دولار خلال فترة قصيرة.

 

وبذلك، لم تغطِّ الصادرات سوى 11.7% من قيمة الواردات، فيما استورد لبنان ما يعادل 8.5 أضعاف ما صدّره خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، ما يعكس استمرار اختلال الميزان التجاري بشكل حاد.

 

وتتصدر اللؤلؤ والأحجار الكريمة والمعادن الثمينة قائمة الواردات بقيمة تقارب مليار دولار، تليها الآلات والمعدات الكهربائية والمنتجات الكيميائية، في حين تأتي الصين وسويسرا والإمارات في مقدمة الدول المصدرة إلى لبنان.

 

في المقابل، تبقى الصادرات اللبنانية محدودة مقارنة بحجم الاستيراد، حيث تشمل بشكل أساسي اللؤلؤ والأحجار الكريمة والمعادن الثمينة بقيمة 126.2 مليون دولار، إضافة إلى المعادن الأساسية ومصنوعاتها بقيمة 121.5 مليون دولار، ما يعكس استمرار الفجوة الكبيرة بين تدفق الدولار إلى الخارج وتدفقه إلى الداخل عبر التجارة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 5