مجلس الشعب السوري أمام اختبار القوانين المالية

2026.08.09 - 09:22
Facebook Share
طباعة

اختبار تشريعي واسع
تستعد الحكومة السورية لطرح واحدة من أوسع حزم التشريعات المالية منذ بدء المرحلة الانتقالية، مع إعلان وزير المالية السوري محمد يسر برنية إنجاز 39 مشروع قانون ومرسوماً مالياً، إلى جانب مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2027.
وتشمل الحزمة النظام المالي الأساسي، والمنظومة الضريبية الجديدة، ورسوم الخدمات، وإصلاحات تشريعية في القطاع المالي، في وقت تعمل فيه الحكومة على إعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد بعد سنوات من الحرب والانهيار.
ويضع حجم هذه الحزمة وتنوعها مجلس الشعب السوري أمام اختبار يتجاوز مجرد إقرار القوانين، إذ سيكون مطالباً بإثبات قدرته على ممارسة دوره التشريعي والرقابي بصورة مستقلة، في مواجهة برنامج واسع أعدته السلطة التنفيذية لإدارة المرحلة الانتقالية.


حزمة لإعادة بناء الدولة
قال وزير المالية إن الوزارة عملت خلال الأشهر الماضية، بتوجيه من الرئاسة السورية، على إعداد منظومة متكاملة من التشريعات المالية الحديثة، تمهيداً لعرضها على مجلس الشعب.
وتغطي المشاريع 39 قانوناً ومرسوماً مالياً، إضافة إلى مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2027، وتشمل النظام المالي للدولة، وإعادة صياغة النظام الضريبي، ورسوم الخدمات، وإصلاح البيئة التشريعية للقطاع المالي.
ومن المنتظر أن تناقش هذه التشريعات وتقر خلال الأشهر المقبلة، ما يضع المجلس أمام جدول تشريعي مكثف خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.
وتكتسب القوانين أهمية مباشرة، لأنها ستحدد علاقة الدولة بالمواطن والقطاع الخاص، بدءاً من الضرائب والرسوم، وصولاً إلى الإنفاق العام وإدارة المال العام.


الحكومة تقترح.. والمجلس يراقب
ناقش وزير المالية، خلال اجتماع مع رئيس مجلس الشعب عبد الحميد العواك ونائبه الأول مصطفى موسى وأمين السر مؤيد حبيب، النظام المالي للمجلس، إلى جانب التحضيرات لموازنة 2027 وتوجهات السياسة المالية.
وأكد برنية أن الحكومة، باعتبارها جزءاً من السلطة التنفيذية، تتطلع إلى التعاون مع السلطة التشريعية وتسهيل دورها في المساءلة والرقابة.
لكن الاختبار الفعلي لهذا الدور سيبدأ مع وصول مشاريع القوانين إلى اللجان المتخصصة ثم إلى جلسات التصويت.
فالرقابة البرلمانية لا تقتصر على الاستماع إلى عرض الحكومة أو التصويت على مشاريعها، وإنما تشمل فحص الافتراضات التي تستند إليها التشريعات، ومراجعة آثارها الاقتصادية والاجتماعية، وطلب البيانات من الوزارات، وإدخال تعديلات عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك.


39 قانوناً أمام اللجان
يعمل مجلس الشعب حالياً على تشكيل لجان متخصصة لمناقشة مشاريع القوانين، بينها لجنة الموازنة واللجان الاقتصادية والعدالة الانتقالية والحريات العامة والإعلام والدفاع والأمن والشؤون الدبلوماسية والقنصلية.
ومن شأن هذه اللجان أن تمنح المجلس مساحة أوسع لفحص مشاريع القوانين قبل طرحها للتصويت، خصوصاً أن التشريعات المالية ترتبط بصورة مباشرة بملفات اقتصادية واجتماعية متعددة.
ويرى خبراء اقتصاد أن النظام الضريبي لا يحدد فقط حجم الإيرادات التي تحصل عليها الدولة، بل يؤثر أيضاً في قدرة الشركات على الاستثمار، ودخول الأفراد، والأسعار، والقدرة الشرائية، وتوزيع العبء المالي بين الفئات الاجتماعية.
أما الموازنة العامة، فتمثل الاختبار الأوضح للعلاقة بين الحكومة والمجلس، لأنها تكشف أولويات الإنفاق، وحجم الموارد المتاحة، ومصادر تمويل العجز، والقطاعات التي ستحصل على النصيب الأكبر من الإنفاق.


الاختبار الحقيقي
أقر مجلس الشعب السوري نظامه الداخلي بصيغته النهائية في 30 يوليو/تموز، بعد التصويت على مواده البالغ عددها 231 مادة، فيما تمتد ولايته 30 شهراً وفق الإعلان الدستوري.
ويأتي ذلك في مرحلة لا تزال فيها مؤسسات الدولة السورية قيد إعادة التأسيس، ما يضع المجلس أمام مهمتين متوازيتين: بناء آليات العمل البرلماني، والتعامل مع سيل من التشريعات التي تحتاج إليها الحكومة لإعادة تنظيم مؤسسات الدولة.
ولا تقتصر مشاريع القوانين المنتظرة على الجانب المالي، إذ يجري إعداد مسودات تشريعية في قطاعات تشمل الإعلام والحريات العامة والعدالة الانتقالية والدفاع والأمن، ما يعني أن الحزمة المالية قد تكون بداية لمسار تشريعي واسع.


معضلة السرعة والرقابة
تتمثل المعضلة الرئيسية في حاجة الحكومة إلى الإسراع بإعادة بناء الإطار القانوني للدولة، مقابل حاجة السلطة التشريعية إلى الوقت الكافي لمناقشة القوانين وفحص آثارها.
ويضع هذا التناقض العلاقة بين السلطتين أمام اختبار حقيقي: هل تصبح سرعة المرحلة الانتقالية مبرراً لتقليص النقاش البرلماني، أم يتحول المجلس إلى مساحة فعلية لمراجعة مشاريع الحكومة وتحسينها؟
وتزداد أهمية هذا السؤال مع القوانين المالية، نظراً إلى انعكاس آثارها المباشرة على المواطنين والأسواق والشركات.
كما أن نجاح المجلس في أداء دوره الرقابي لن يقاس بعدد القوانين التي يقرها، بل بقدرته على طلب المعلومات، واستجواب المسؤولين، ومراجعة السياسات، وإدخال تعديلات جوهرية عند الحاجة.


هل يمرر المجلس برنامج الحكومة؟
لا توجد حتى الآن مؤشرات كافية للحكم على طريقة تعامل مجلس الشعب مع الحزمة المالية، خصوصاً أن عدداً من لجانه لا يزال في طور التشكيل، فيما لا تزال التجربة البرلمانية في المرحلة الانتقالية في بدايتها.
لكن الطريقة التي ستناقش بها مشاريع القوانين الـ39 ستكون مؤشراً مهماً على طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في سوريا الجديدة.
فإذا اقتصرت العملية على عرض مشاريع أعدتها الحكومة ثم التصويت عليها خلال فترة قصيرة، فقد يقترب دور المجلس من المصادقة على برنامج السلطة التنفيذية.
أما إذا خضعت المشاريع لنقاش تفصيلي، وطُلب من الحكومة تقديم البيانات والتبريرات، وأدخلت اللجان تعديلات فعلية على النصوص، فقد يشكل ذلك بداية لممارسة برلمانية أكثر تأثيراً في صناعة السياسة العامة.


لا تكمن أهمية الحزمة المالية في عدد مشاريع القوانين المطروحة فحسب، بل في الطريقة التي سيتعامل بها مجلس الشعب السوري معها. فهذه التشريعات تمس المال العام والضرائب والأسواق ودخل المواطنين، ولذلك ستشكل اختباراً مبكراً لقدرة المجلس على الانتقال من مرحلة تأسيس مؤسساته إلى ممارسة دوره التشريعي والرقابي فعلياً. 

 

اقرأ أيضاً: مجلس الشعب السوري ينجز 60% من نظامه الداخلي

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 10