ترتيبات للعودة
دخل ملف عودة النازحين بين مدينتي الحسكة ورأس العين شمال شرقي سوريا مرحلة جديدة، مع تكثيف الاستعدادات لتنفيذ خطة تقوم على عودة متزامنة للسكان في الاتجاهين، بعد سنوات من النزوح الذي فرضته العمليات العسكرية وتبدل مناطق السيطرة.
وتقضي الخطة بعودة أبناء رأس العين المقيمين في الحسكة إلى مدينتهم، بالتوازي مع عودة أبناء الحسكة الذين نزحوا إلى رأس العين إلى أحيائهم ومنازلهم الأصلية، في خطوة تهدف إلى معالجة ملف التهجير المتبادل واستعادة الاستقرار الاجتماعي في المحافظة.
وفي هذا السياق، عقد محافظ الحسكة نور الدين أحمد اجتماعاً مع وفد من أبناء المدينة النازحين إلى رأس العين، بحضور ممثلين عن قوى الأمن الداخلي وعدد من أعضاء مجلس الشعب، لبحث الترتيبات اللازمة لعودة الأهالي، بالتزامن مع التحضيرات الخاصة بعودة سكان رأس العين الموجودين في الحسكة.
عودة منظمة
ناقش الاجتماع الإجراءات الخدمية والأمنية واللوجستية المطلوبة لتسهيل عملية العودة، إلى جانب مطالب الأهالي واحتياجاتهم خلال المرحلة الانتقالية.
وأكد محافظ الحسكة أن إعادة السكان إلى مناطقهم تمثل أولوية خلال المرحلة المقبلة، مشدداً على أهمية تعزيز السلم الأهلي وترسيخ التعايش ونبذ خطاب الكراهية لضمان نجاح العودة والحد من أي توترات قد ترافقها.
وتعكس الترتيبات الحالية توجهاً نحو معالجة ملف النزوح بصورة متوازنة، بحيث تشمل العودة سكان المدينتين في الاتجاهين، بدلاً من اقتصارها على مجموعة واحدة من النازحين.
تأجيل الدفعة الأولى
وكان من المقرر انطلاق أولى دفعات عودة أبناء رأس العين من الحسكة، قبل أن يُعلن تأجيلها إلى 10 آب، بسبب عدم تمكن عدد كبير من العائلات من استكمال تجهيز أمتعتها ونقل أثاثها وممتلكاتها.
ويهدف التأجيل إلى منح العائلات وقتاً إضافياً لترتيب أوضاعها وضمان تنفيذ عملية العودة بصورة منظمة وآمنة، وتجنب العقبات اللوجستية التي قد تواجهها في يومها الأول.
ورغم التأجيل، يؤكد نازحون أن الخطوة لم تغير رغبتهم في العودة، بل أتاحت لهم فرصة إضافية لاستكمال التحضيرات، وسط آمال باستعادة حياتهم الطبيعية بعد سنوات من التنقل والاستقرار المؤقت.
حلم العودة
ويترقب أبناء رأس العين المقيمون في الحسكة العودة إلى منازلهم وأحيائهم، فيما يأمل كثير منهم أن يجدوا مساكنهم قابلة للسكن وأن تعود الخدمات الأساسية إلى العمل سريعاً.
ويحمل ملف العودة أهمية خاصة للعائلات التي أمضى أطفالها سنوات من حياتهم في النزوح، إذ ينظر الأهالي إلى العودة باعتبارها استعادة للمنزل والجيران والحياة التي انقطعت بفعل الحرب.
ويرى نازحون أن نجاح الدفعة الأولى سيكون عاملاً حاسماً في تعزيز ثقة بقية العائلات وتشجيعها على العودة عندما يحين موعدها.
الحسكة تستعد
وفي المقابل، بدأت أحياء في مدينة الحسكة، بينها غويران والعزيزية، الاستعداد لاستقبال أبناء المدينة العائدين من رأس العين.
وتشمل التحضيرات مبادرات أهلية لتنظيم استقبال العائدين، ومساعدة بعض الأسر في تنظيف المنازل وإجراء الإصلاحات الأولية، إضافة إلى دعم العائلات التي قد تواجه صعوبات خلال الأيام الأولى من عودتها.
ويأمل السكان أن تترافق عودة النازحين مع تحسين الخدمات العامة وإعادة تشغيل المرافق الأساسية، بما يساعد على تثبيت السكان ومنع تكرار موجات النزوح.
الألغام العقبة الأكبر
وتبرز إزالة الألغام ومخلفات الحرب باعتبارها أحد أهم الشروط المسبقة لتوسيع عمليات العودة، ولا سيما في المناطق الواقعة بين تل تمر ورأس العين.
وأفادت تقديرات رسمية بأن فرق إزالة الألغام تعمل منذ نحو 50 يوماً، بدعم من كاسحات ألغام تابعة للجيش السوري، فيما تتولى قوى الأمن الداخلي تأمين المناطق الخطرة ومنع وصول المدنيين إليها إلى حين انتهاء عمليات التطهير.
ولا تزال نحو 12,500 عائلة بانتظار استكمال عمليات إزالة الألغام، فيما يمثل إعلان المناطق آمنة بالكامل نقطة فاصلة قبل توسيع نطاق العودة.
وتشير التقديرات إلى أن عودة سكان رأس العين قد تكون أقل تعقيداً من عمليات العودة إلى مناطق أبعد، نظراً لقصر المسافة، بالتزامن مع ترتيبات موازية لإعادة أبناء الحسكة الموجودين في رأس العين إلى مناطقهم الأصلية.
اقرأ أيضاً: تقدم عمليات إزالة الألغام ينعش آمال العودة برأس العين
اختبار للاستقرار
ويرى ناشطون أن الصيغة الحالية تتجاوز فكرة إعادة فئة واحدة من النازحين، لتشكل محاولة لمعالجة ملف النزوح المتبادل داخل المحافظة، وإعادة السكان إلى مناطقهم الأصلية في الاتجاهين.
لكن نجاح الخطة سيبقى مرتبطاً بعدة عوامل، أبرزها إزالة الألغام، وتوفير الخدمات الأساسية، وتأهيل البنية التحتية، وضمان الترتيبات الأمنية، إلى جانب تعزيز الثقة بين المجتمعات المحلية.
نحو نهاية النزوح
ومع اقتراب موعد انطلاق أولى دفعات العودة، تتجه الأنظار إلى مدى نجاح التحضيرات الميدانية واللوجستية في تحويل خطة العودة إلى واقع فعلي.
وإذا نجحت العملية في تأمين عودة مستقرة وآمنة للسكان، فقد تمثل خطوة مهمة نحو إنهاء سنوات من النزوح المتبادل بين الحسكة ورأس العين، واستعادة جانب من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي الذي فقدته المنطقة خلال سنوات الحرب.