تمديدات متكررة وآلية متبدلة.. ماذا يحدث لليرة السورية؟

2026.08.10 - 13:56
Facebook Share
طباعة

اختبار يتجاوز الأوراق
لم يكن الانتقال إلى العملة السورية الجديدة مجرد عملية لاستبدال أوراق نقدية قديمة بأخرى تحمل فئات مختلفة، بل شكّل اختباراً واسعاً لقدرة السياسة النقدية على إدارة تحول نقدي كبير في اقتصاد يعاني ضعف الثقة بالعملة وتراجع القدرة الشرائية واتساع التعاملات النقدية خارج القطاع المصرفي.
ومنذ بدء عملية الاستبدال في الأول من كانون الثاني/يناير 2026، اضطر مصرف سوريا المركزي إلى تعديل المهلة ثلاث مرات، قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة لسحب الأوراق القديمة، شهدت بدورها تغييرات في آليات التنفيذ ومراكز الخدمة.


بداية بـ90 يوماً
بدأ المسار في 24 كانون الأول/ديسمبر 2025، عندما صدر المرسوم المتعلق بإطلاق العملة السورية الجديدة، على أن يبدأ سحب العملة القديمة من التداول اعتباراً من الأول من كانون الثاني 2026.
ونص المرسوم على حذف صفرين من القيمة الاسمية للعملة، بحيث تعادل كل 100 ليرة قديمة ليرة واحدة جديدة، مع استمرار العملتين في التداول خلال الفترة المحددة للاستبدال وتمتعهما بالقوة الإبرائية نفسها.
وفي 29 كانون الأول، حدد مصرف سوريا المركزي مدة الاستبدال بـ90 يوماً قابلة للتمديد، على أن تبدأ العملية في الأول من كانون الثاني وتنتهي، وفق الجدول الأول، في نهاية آذار/مارس.
كما حدد المصرف الجهات المعتمدة لتنفيذ العملية، وفي مقدمتها المؤسسات المالية المرخصة والخاضعة لرقابته.


لكن الموعد الأول لم يصمد حتى نهايته:
التمديد الأول
في الثاني من آذار، أعلن المصرف تمديد فترة الاستبدال 60 يوماً إضافية، تبدأ في الأول من نيسان/أبريل، لتنقل الموعد النهائي من نهاية آذار إلى 31 أيار/مايو.
ولم يقتصر القرار على تمديد المهلة، بل شمل أيضاً إدخال فئات نقدية جديدة ضمن عملية الاستبدال، في مؤشر على أن التنفيذ لم يكن قد اكتمل وفق الجدول الأصلي.


تمديدان إضافيان
في الأول من أيار، جاء التعديل الثاني، مع إعلان تمديد فترة الاستبدال 30 يوماً إضافية، من الأول وحتى 30 حزيران/يونيو، بهدف إتاحة وقت أطول للمواطنين لاستكمال العملية.
وبذلك انتقل الموعد النهائي من نهاية آذار إلى نهاية حزيران، أي بزيادة تقارب ثلاثة أشهر عن الجدول الأول.
لكن الموعد لم يكن نهائياً أيضاً.
وفي 31 أيار، قرر المصرف تمديد الاستبدال للمرة الثالثة لمدة 30 يوماً إضافية اعتباراً من الأول من تموز/يوليو، لتنتهي المهلة في 31 من الشهر.
وفي ذلك الوقت، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان أن نسبة الاستبدال تجاوزت 63% على مستوى البلاد، مقدماً التمديد باعتباره فرصة أخيرة أمام المواطنين الذين لم يتمكنوا من إتمام العملية.
وهكذا انتقل الموعد النهائي ثلاث مرات، من نهاية آذار إلى نهاية أيار، ثم إلى نهاية حزيران، وأخيراً إلى نهاية تموز.


نهاية الاستبدال.. وبداية السحب
لم يكن انتهاء فترة الاستبدال في 30 تموز يعني إغلاق الباب أمام حاملي الأوراق القديمة.
فقد أكد المصرف أن انتهاء فترة التعايش والاستبدال لا يسقط حق المواطنين في تسليم العملة القديمة واستلام قيمتها بالعملة الجديدة، ضمن ما أطلق عليه "فترة السحب" التي تمتد خمس سنوات.
وبحسب الآلية المعلنة، احتفظت العملة القديمة بقوتها الإبرائية حتى نهاية 30 تموز، قبل أن تفقد هذه الصفة اعتباراً من اليوم التالي.
وفي 26 تموز، أعلن المصرف أن سحب الأوراق القديمة سيبدأ في 31 تموز ويستمر لمدة خمس سنوات، على أن ينفذ حصرياً عبر المصرف المركزي في دمشق، مع اشتراط ألا يقل عدد الأوراق المقدمة عن 100 ورقة من الفئة نفسها، وتحويل القيمة المستحقة إلى حساب مصرفي بالعملة الجديدة بعد التدقيق.
لكن هذه الآلية سرعان ما خضعت للتعديل.


تغييرات في التنفيذ
بعد انتهاء مهلة الاستبدال، أتاح المصرف عمليات سحب للعملة القديمة عبر المصارف وفروع المؤسسة السورية للبريد، قبل أن يجري التركيز لاحقاً على معالجة صعوبات واجهت بعض المحافظات الشرقية.
ومع تصاعد الشكاوى المتعلقة بالازدحام ومحدودية المنافذ ونقص العملة الجديدة في بعض المناطق، جرى تمديد عمليات السحب في الحسكة والرقة ودير الزور.
ثم توسعت الآلية لتشمل منافذ المؤسسة السورية للبريد في جميع المحافظات لمدة خمس سنوات، ما ألغى عملياً حاجة المواطنين إلى مراجعة المصرف المركزي في دمشق لاسترداد قيمة الأوراق القديمة.


السؤال الأهم
تتجاوز دلالة هذه التغييرات مسألة عدد مرات تمديد المهلة، لتطرح سؤالاً حول مدى قدرة الخطة الأولى على استيعاب الواقع العملي لعملية بهذا الحجم.
فاستبدال العملة ليس إجراءً محاسبياً فحسب، بل عملية لوجستية ونقدية وأمنية تتطلب تقديراً دقيقاً لحجم النقد المتداول، وتوزيعاً جغرافياً مناسباً لمراكز الخدمة، وتوفيراً مستمراً للسيولة الجديدة، إلى جانب آليات للتدقيق والتحقق ومراقبة التدفقات النقدية.
ويرى باحثين في الاقتصاد أن الإشكال يتجاوز تعدد المواعيد إلى طبيعة صناعة القرار النقدي، معتبراً أن تغير القرارات التنفيذية خلال فترة قصيرة يثير تساؤلات بشأن وضوح الرؤية النقدية واستقرارها.
وبحسب هذا الطرح، قد يوفر تمديد المهلة حلاً قصير الأجل للمواطن، لكنه قد يتحول على المدى الأبعد إلى عامل يؤثر في الثقة بالعملة والمؤسسة النقدية إذا ارتبط بتغييرات متكررة في قواعد التنفيذ.


البريد أمام اختبار الرقابة
ويطرح انتقال عمليات السحب إلى منافذ البريد تحدياً إضافياً يتعلق بالبنية الرقابية والتقنية.
فالتوسع في شبكة تقديم الخدمة يتطلب، إلى جانب تسهيل وصول المواطنين إليها، أنظمة موحدة للتحقق من الهوية، وتوثيق العمليات، والتدقيق في مصادر الأموال، ورصد المعاملات غير الاعتيادية، فضلاً عن آليات دقيقة لفحص الأوراق النقدية.
وتزداد أهمية هذه الضوابط في عملية واسعة تستهدف إخراج النقد القديم من التداول وتحويل قيمته إلى عملة جديدة.
ولا يرتبط التحدي بقدرة موظفي البريد على تنفيذ العمليات بقدر ما يتعلق بالمنظومة الرقابية التي تعمل خلفهم، والجهة التي تتولى التدقيق النهائي والإبلاغ عن العمليات المشبوهة وضمان تطبيق قواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.


اختبار الجاهزية
قد يكون تمديد المهلة إجراءً طبيعياً في عملية نقدية بهذا الحجم، لكن تكرار التمديد ثم تغيير آلية السحب بعد انتهاء فترة الاستبدال يطرح تساؤلات حول مستوى الجاهزية والتخطيط المسبق، خصوصاً أن المصرف كان قد أعلن منذ البداية أن المهلة قابلة للتمديد.
ويبقى التحدي الحقيقي في السنوات الخمس المقبلة مرتبطاً بكيفية إدارة مرحلة السحب، وليس بطول مدتها.
فإذا نجح المصرف المركزي في توحيد الإجراءات بين المحافظات، وتوفير السيولة الجديدة، وضبط عمليات السحب، وتعزيز الرقابة، يمكن أن تتحول الفترة الطويلة إلى وسيلة لامتصاص ما تبقى من النقد القديم من دون إحداث اضطرابات كبيرة.
أما استمرار القرارات المتغيرة استجابةً للمشكلات اليومية، فقد يجعل المهلة الطويلة مؤشراً إضافياً على ضعف التخطيط المؤسسي.


تغيير العملة ليس إصلاحاً نقدياً
لا يعني تغيير شكل العملة بالضرورة تحقيق إصلاح نقدي شامل.
فحذف صفرين من الليرة قد يبسط العمليات الحسابية ويعيد تنظيم الفئات النقدية، لكنه لا يعالج بمفرده التضخم أو ضعف الثقة أو تراجع الإنتاج أو اضطراب سعر الصرف.
وتكشف التمديدات الثلاثة، إلى جانب التغييرات التي طرأت على آلية السحب، أن نجاح مشروع العملة الجديدة لا يتوقف على استبدال الأوراق القديمة فحسب، بل على قدرة المؤسسة النقدية على إدارة المرحلة المقبلة وفق قواعد واضحة ومستقرة يمكن للمواطنين والأسواق التنبؤ بها.


انتقلت عملية العملة السورية الجديدة من خطة أولية مدتها 90 يوماً إلى سلسلة من التمديدات، ثم إلى مرحلة سحب تمتد خمس سنوات.وبذلك أصبح التحدي الأساسي أمام مصرف سوريا المركزي ليس إتمام استبدال الأوراق فحسب، وإنما إثبات قدرته على إدارة العملية بكفاءةوشفافية، وتحويل الانتقال النقدي إلى خطوة ضمن سياسة نقدية مستقرة، بدلاً من أن يبقى مجرد تغيير في شكل العملة. 

اقرأ أيضاً: إجراءات مشددة لمصرف سوريا المركزي ضد مخالفات استبدال العملة

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 8