يواجه لبنان مرحلة اقتصادية ومالية شديدة التعقيد، تتزامن فيها موجة الغلاء مع انكماش اقتصادي وضغوط متزايدة على المالية العامة والقطاع المصرفي، فيما لا يزال مصير الودائع عالقًا بين مسار إعادة هيكلة المصارف والخلافات القانونية والتشريعية.
أقرا أيضاً:زيارة بري إلى تركيا والسعودية.. ما الرسائل؟
أقرا أيضاً: الإعلام اللبناني أمام مسؤولية جديدة لحماية خصوصية الأطفال
تتسع الفجوة بين كلفة المعيشة وقدرة اللبنانيين على تحمّلها، في وقت لم تستعد فيه الدولة قدرتها المالية الكافية لمعالجة تداعيات الانهيار، بينما تستمر الخسائر المصرفية في الضغط على الاقتصاد والمودعين. ويزيد استمرار هذا الوضع من صعوبة الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها، خصوصًا مع تراجع القدرة الشرائية وتآكل القيمة الفعلية للدخول والمدخرات.
اقتصاد تحت ضغط التضخم والانكماش
يجد الاقتصاد اللبناني نفسه أمام معادلة مزدوجة، تتمثل في ارتفاع كلفة السلع والخدمات من جهة، وضعف النشاط الاقتصادي من جهة أخرى. ويظهر أثر ذلك بصورة مباشرة في الإنفاق اليومي على الغذاء والصحة والتعليم والنقل والإيجارات والكهرباء، بينما تواجه المؤسسات ضغوطًا مرتبطة بضعف الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل والتمويل.
تدفع هذه الظروف الأسر إلى تقليص استهلاكها، فيما تحد حالة عدم اليقين من قدرة الشركات على الاستثمار والتوسع، الأمر الذي ينعكس على فرص العمل والنشاط الاقتصادي. وتزداد صعوبة معالجة هذه الاختلالات مع محدودية الموارد المتاحة أمام الدولة وغياب حل نهائي للقطاع المصرفي.
تعتمد السلطات في مثل هذه الظروف على إجراءات مرحلية لتخفيف الضغوط، إلا أن هذه التدابير لا تعالج وحدها مشكلة الخسائر المتراكمة أو تعيد الثقة إلى النظام المالي. فاستمرار تأجيل القرارات الأساسية يترك الاقتصاد أمام كلفة متزايدة، سواء على مستوى المالية العامة أو القطاع المصرفي أو المواطنين.
الطعن في قانون إعادة هيكلة المصارف
يضيف الطعن في المادة الثالثة من قانون إعادة هيكلة المصارف عنصرًا جديدًا من عدم اليقين إلى مسار الإصلاح المالي. ولا تتمثل المسألة في حق الطعن القانوني بحد ذاته، بل في التداعيات التي يمكن أن تترتب على تعطيل أو إبطاء مسار إعادة تنظيم القطاع المصرفي في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى إطار واضح لمعالجة الخسائر.
ترتبط إعادة هيكلة المصارف بمجموعة من الملفات المتداخلة، تشمل صلاحيات مصرف لبنان، ووضع المصارف المتعثرة، وتحديد المسؤوليات عن الخسائر، وآلية توزيعها، إضافة إلى القواعد التي ستحدد كيفية استعادة المودعين لأموالهم.
ويجعل تداخل هذه الملفات أي تأخير تشريعي أو قانوني مؤثرًا في المسار المالي الأوسع، خصوصًا أن معالجة أزمة المصارف لا يمكن فصلها عن معالجة الفجوة المالية التي تراكمت منذ بداية الانهيار.
الودائع في قلب الأزمة المالية
تبقى الودائع من أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى اللبنانيين، بعدما حالت الأزمة المصرفية دون الوصول إلى الأموال بصورة طبيعية، فيما تراجعت القيمة الاقتصادية الفعلية للمدخرات بفعل التضخم وتعدد أسعار الصرف وتغير الظروف النقدية.
ولا يرتبط حل أزمة الودائع بمجرد تحديد قيمة الأموال المسجلة في الحسابات، بل يحتاج إلى تحديد مصادر التمويل وآلية الاسترداد والمدة الزمنية، إلى جانب توضيح الجهات التي ستتحمل الخسائر وترتيب المسؤوليات بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف.
كما يحتاج أي إطار لمعالجة الودائع إلى ضمانات واضحة للمودعين، تحدد كيفية التعامل مع اختلاف أحجام الودائع، وقيمة المبالغ التي يمكن استردادها، والجدول الزمني لذلك، والموارد التي ستُستخدم لتمويل عملية السداد.
ويظل غياب الوضوح في هذه النقاط عاملًا ضاغطًا على الثقة بالقطاع المالي، خصوصًا بالنسبة إلى المودعين الذين ينتظرون منذ سنوات مسارًا واضحًا لمعرفة مصير أموالهم.
الجنوب يضيف مخاطر جديدة
لا ينفصل الوضع الاقتصادي عن التطورات الأمنية في جنوب لبنان، حيث يمكن لأي اتساع في العمليات العسكرية أن يضيف أعباء جديدة إلى اقتصاد يعاني أصلًا من ضعف الاستثمار وتراجع النشاط السياحي والتجاري ومحدودية الموارد العامة.
يؤثر التصعيد العسكري على حركة الأعمال والسياحة والنقل والتجارة، كما يرفع الحاجة إلى الإنفاق العام على الإغاثة وإعادة الإعمار، في وقت تواجه فيه الدولة أصلًا قيودًا مالية كبيرة.
وفي حال اتساع نطاق المواجهات، قد تتراجع الإيرادات العامة أكثر، فيما ترتفع النفقات المرتبطة بالأضرار والخدمات الأساسية وإعادة الإعمار، ما يزيد الضغط على المالية العامة ويصعّب توفير الموارد اللازمة لمعالجة الخسائر المصرفية والودائع.
إصلاح مؤجل وكلفة متزايدة
تتداخل في لبنان ملفات التضخم والانكماش والقطاع المصرفي والودائع والمالية العامة والوضع الأمني، ما يجعل معالجة كل ملف بصورة منفصلة أقل قدرة على إنتاج حل مستدام.
وتحتاج إعادة بناء الاقتصاد إلى مسار متكامل يربط بين إعادة هيكلة المصارف، وتوزيع الخسائر، وإصلاح المالية العامة، ومعالجة وضع مصرف لبنان، ووضع آلية قابلة للتنفيذ لاسترداد الودائع، بالتوازي مع إجراءات تدعم النشاط الاقتصادي وتحافظ على القدرة الشرائية.
كما يتطلب أي حل مستدام وضوحًا في المسؤوليات، حتى لا تنتقل الخسائر بصورة غير منظمة من جهة إلى أخرى أو يتحمل المودعون الجزء الأكبر من كلفة الأزمة من دون إطار قانوني واضح.
المواطن أمام فاتورة الأزمة
تظهر تداعيات الأزمة بصورة مباشرة في حياة اللبنانيين، إذ لا تقتصر آثارها على المؤشرات المالية والمصرفية، بل تمتد إلى القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية ودفع تكاليف التعليم والصحة والسكن والنقل والطاقة.
ويؤدي استمرار التضخم إلى تآكل قيمة المداخيل والمدخرات، بينما يحد ضعف النمو من قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل وتحسين الأجور. ومع استمرار القيود على الودائع، تصبح الأزمة المالية قضية اجتماعية تمس شريحة واسعة من الأسر.
وتزيد هذه الضغوط من حساسية أي قرار يتعلق بإعادة توزيع الخسائر، إذ إن طريقة معالجة الأزمة ستحدد بصورة مباشرة الجهات التي ستتحمل الجزء الأكبر من كلفتها.
لبنان أمام اختبار اقتصادي ومالي
يجد لبنان نفسه أمام مجموعة أزمات مترابطة، لا يمكن احتواء تداعياتها عبر إجراءات مؤقتة فقط. فاستمرار التضخم يضغط على المواطنين، والانكماش يضعف النشاط الاقتصادي، وتعثر القطاع المصرفي يقيّد التمويل، فيما تبقى الودائع عالقة وتفرض التطورات الأمنية في الجنوب مخاطر إضافية.
ويحتاج الخروج من هذه الحلقة إلى قرارات واضحة بشأن إعادة هيكلة المصارف وتوزيع الخسائر وحماية المودعين، إلى جانب إجراءات تعيد تنشيط الاقتصاد وتدعم المالية العامة.
كلما طال الانتظار، ازدادت صعوبة توزيع كلفة الأزمة، واتسعت الفجوة بين قيمة الالتزامات المالية والقدرة الفعلية على سدادها. لذلك لا يرتبط التحدي فقط بقدرة لبنان على تمويل الإصلاح، بل أيضًا بكلفة استمرار التأجيل على الاقتصاد والمصارف والمودعين والدولة.
ويبقى نجاح أي مسار إصلاحي مرتبطًا بقدرته على الجمع بين المعالجة المالية والمصرفية والاجتماعية، ووضع قواعد واضحة تحدد المسؤوليات والحقوق، بما يسمح بالانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها الأساسية.