مصائد الموت في سوريا.. 61 حادثة داخل آبار مهجورة

2026.10.05 - 17:58
Facebook Share
طباعة

تحولت مئات الآبار والجباب المهجورة والمكشوفة في مناطق سورية إلى مخاطر يومية تهدد السكان، خصوصًا الأطفال، في ظل غياب إجراءات كافية لتأمين فتحاتها وضعف الرقابة ومحدودية قدرات فرق الطوارئ، وفق تحقيق أعدته «الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج».

أقرا أيضاً:القاهرة ترفض التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري

 

 

رصد التحقيق 61 حادثة سقوط في الآبار والجباب بين يناير 2024 ومايو 2026، مع تسجيل حلب وإدلب وحماة أعلى معدلات الحوادث المرتبطة بهذه المواقع.

 

استند فريق «سراج» إلى جولات ميدانية في مواقع شهدت سقوط أطفال، ومقابلات مع عائلات ضحايا وناجين وعناصر في الدفاع المدني السوري. شملت عملية التحقق مراجعة وثائق قانونية ومواد مصورة وفحصها ميدانيًا ورقميًا، إلى جانب الاستماع إلى شهادات 56 مزارعًا بشأن نهب آبار وجباب وتركها مكشوفة بعد تجريدها من تجهيزاتها.

 

أطفال قضوا داخل الآبار

من بين الحالات التي انتهت بالوفاة، حادثة وليد وحيد الخليف، البالغ 6 سنوات، الذي سقط في 2 مارس 2026 داخل بئر في قرية «مزرعة السرحان» جنوب حلب. بلغ قطر البئر نحو 40 سنتيمترًا وعمقها قرابة 80 مترًا، فيما حالت الصخور الموجودة في الداخل دون الوصول إليه.

أقرا أيضاً:توقيف منتحل صفة مسؤول انتسابات الداخلية السورية بتهمة الاحتيال

 

 


في اليوم نفسه، فقدت الطفلة دمعة مقداد البروش حياتها بعد سقوطها في بئر بريف حماة الشرقي. لم تكن قد أتمت عامها الثاني، بينما وصل عمق البئر إلى نحو 110 أمتار، بينها أكثر من 70 مترًا مغمورة بالمياه، واستغرق البحث عنها قرابة 6 ساعات.

 

على الجانب الآخر، نجا الطفل عسكر الدياب، البالغ 7 سنوات، بعدما سقط في بئر بريف إدلب عام 2024، وتمكن عناصر الدفاع المدني من إخراجه بعد نحو 4 ساعات من العمل في الموقع.

كما أُخرج طفل يبلغ 3 سنوات من بئر بعمق 18 مترًا في بلدة شمارخ شمال حلب، في حادثة أخرى انتهت دون تسجيل وفاة.

 

لم تقتصر هذه المخاطر على الأطفال، إذ توفي شاب يبلغ 18 عامًا إثر سقوطه في بئر بريف إدلب، فيما استمرت الجهود للوصول إليه قرابة 18 ساعة قبل انتشال جثمانه من عمق يقارب 56 مترًا.

توضح هذه الحالات حجم الصعوبات التي تواجه فرق الطوارئ داخل الآبار الضيقة والعميقة، حيث تتداخل محدودية المساحة مع ضعف التهوية ووجود المياه أو الصخور، ما يجعل التعامل مع الحوادث أكثر تعقيدًا وخطورة.

الحرب خلفت آبارًا مكشوفة

 

يربط التحقيق انتشار هذه المواقع بسنوات الحرب والنزوح، وما رافقها من عمليات نهب طالت تجهيزات الآبار الزراعية، الأمر الذي أدى إلى ترك بعضها مفتوحًا أو مدمّرًا وسط الأراضي الزراعية.

في ناحية قلعة المضيق، سجل فريق «سراج» سرقة 638 بئرًا جوفية وسطحية، بعد إزالة المضخات والكابلات والمولدات والتجهيزات المعدنية منها.

 

حوّلت عمليات التجريد هذه المواقع من مصادر للمياه والري إلى حفر مكشوفة، فيما بقي بعضها دون معالجة أو حماية رغم وجودها بالقرب من المناطق الزراعية والمأهولة.

تكشف شهادات 56 مزارعًا جمعها التحقيق عن جانب من هذه المشكلة، إذ تحدث أصحابها عن آبار وجباب تعرضت للنهب ثم تُركت من دون إغلاق أو وسائل حماية، لتبقى مكشوفة أمام السكان والحيوانات والمارة.

 

ثغرة قانونية في إجراءات السلامة

 

ينظم القانون رقم 31 لعام 2005، المعروف بقانون التشريع المائي، عمليات حفر الآبار واستثمارها ومنح تراخيصها، لكن التحقيق خلص إلى عدم وجود نصوص واضحة تلزم أصحاب الآبار، ولا سيما الواقعة ضمن الملكيات الخاصة، بتأمين فتحاتها أو منع الوصول إليها بصورة غير آمنة.

تترك هذه الفجوة القانونية جزءًا من مسؤولية الحماية خارج إطار إلزامي واضح، خصوصًا في المواقع التي فقدت وظيفتها الأصلية وأصبحت مهجورة.

 

لفت رئيس قسم البحث والإنقاذ في الدفاع المدني التابع لوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، إبراهيم الحسن، إلى أن ضيق أقطار الآبار وغياب التهوية وعمقها الكبير من أبرز العوامل التي تعرقل الوصول إلى العالقين.

وبيّن الحسن أن سقوط الأطفال في آبار يتجاوز عمقها 50 مترًا يضاعف صعوبة التعامل مع الحادث، بسبب طبيعة الحفر والمساحة المحدودة التي تتحرك فيها فرق الطوارئ.

 

إجراءات بسيطة قد تمنع الكارثة

 

يخلص التحقيق إلى إمكانية الحد من نسبة كبيرة من هذه الحوادث عبر إجراءات وقائية أساسية، بينها إغلاق فتحات الآبار المهجورة بأغطية معدنية مثبتة أو بصبات إسمنتية، إلى جانب وضع حواجز وعلامات تحذيرية في محيطها.

اقترح الباحث الجيولوجي ثابت الكسحة إغلاق فوهة البئر بغطاء حديدي محكم، وتركيب قميص معدني يرتفع عن سطح الأرض بما لا يقل عن 50 سنتيمترًا، بما يقلل احتمالات السقوط ويجعل الموقع أكثر وضوحًا للسكان.

لفت الكسحة كذلك إلى أهمية قطر البئر في التعامل مع الحوادث، موضحًا أن الأقطار التي تتجاوز 35 سنتيمترًا تمنح فرق الطوارئ مساحة أكبر للعمل والوصول إلى العالقين.

 

تكشف الحالات التي تناولها التحقيق أن الآبار المهجورة لم تعد مجرد منشآت متروكة، بل مواقع خطرة يمكن أن تتحول في لحظات إلى مصائد قاتلة، خصوصًا للأطفال في المناطق الزراعية. ومع بقاء عدد كبير منها دون تأمين، تظل حماية هذه المواقع وإغلاقها ومراقبتها من الإجراءات الأساسية للحد من حوادث يمكن تفادي جانب كبير منها.

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 4

اقرأ أيضاً