يطرح قانون العفو العام إشكالية قانونية أساسية تتعلق بتفسير مفهوم «التكرار» الذي يشكل أحد أسباب استثناء بعض الأشخاص من الاستفادة منه. فهل يُقصد بالتكرار تعدد الملاحقات والملفات، أم يشترط صدور أحكام نهائية سابقة وفق المفهوم المعتمد في قانون العقوبات؟ ويكتسب السؤال أهمية خاصة لأن الإجابة عنه قد تحدد مصير موقوف أو محكوم، وتؤثر في نطاق الأشخاص الذين يمكن أن يستفيدوا من أحكام العفو.
أقرا أيضاً: لبنان.. المجلس الدستوري يقترب من حسم طعن العفو العام
تتجاوز المسألة حدود الاختلاف في تفسير مصطلح قانوني، إذ ترتبط بالتمييز بين ثلاث مراحل مختلفة: ورود اسم الشخص في محضر أو ملف أمني، خضوعه لملاحقة قضائية، ثم صدور حكم بحقه. ولا تحمل هذه المراحل الأثر القانوني نفسه، ما يجعل تحديد المرحلة التي يُعتد بها عند احتساب التكرار أمراً أساسياً في تطبيق القانون.
أقرّ قانون العفو العام أحكاماً تحدد الفئات المستفيدة منه، إلى جانب استثناءات مرتبطة بنوع الجرائم وعدد الملاحقات أو الأحكام السابقة. وفي قضايا السرقة، يستثني القانون من العفو من تكررت ملاحقته أو أحكامه أكثر من مرتين في الجنايات، وأكثر من 3 مرات في الجنح. أما في جنايات المخدرات، فيستثني من تجاوز تكرار الجنايات لديه المرة الثانية، سواء صدر حكم أم لم يصدر.
يختلف هذا الاستخدام لمفهوم التكرار عن المفهوم المعتمد في قانون العقوبات. ففي الحالات التي ينظمها القانون، يرتبط التكرار عادة بوجود إدانة سابقة بحكم نهائي وارتكاب جريمة جديدة ضمن شروط قانونية محددة. أما اعتماد تعبير «تكرار الملاحقات» في قانون العفو، فيفتح نقاشاً حول ما إذا كانت مجرد الملاحقة تكفي لاحتساب الحالة، حتى عندما تنتهي القضية لاحقاً بالحفظ أو البراءة أو لا تكون قد حُسمت بعد.
يفرض هذا الفرق تدقيقاً في طبيعة الملفات قبل اتخاذ قرار بشأن استفادة أي شخص من العفو. فوجود أكثر من ملف لا يعني بالضرورة وجود أكثر من جريمة ثابتة، كما أن تعدد الملاحقات قد يكون مرتبطاً بقضايا انتهت من دون إدانة. ويصبح الأمر أكثر حساسية عندما تكون بعض الملفات لا تزال قيد التحقيق أو المحاكمة، لأن اعتبارها أساساً لاستثناء الشخص من العفو قد يساوي عملياً بين الملاحقة والإدانة.
أقرا أيضاً: الجنوب بين المفاوضات و"اليونيفيل".. عون يبحث خيارات المرحلة المقبلة
يمكن تصور الحالة من خلال سائق سيارة أجرة نقل راكباً إلى مكان تبيّن لاحقاً أن الراكب متورط في جريمة سرقة. قد يرد اسم السائق في محضر أمني بسبب عملية النقل، من دون أن يتوافر دليل على علمه بالجريمة أو مشاركته فيها. وإذا تكرر ورود اسمه في محاضر أخرى لوقائع مشابهة، يبرز السؤال حول ما إذا كانت هذه الملفات تُحتسب كتكرار للملاحقة بحقه، رغم عدم ثبوت ارتكابه أي جريمة.
ينطبق الإشكال نفسه على ملف يتعلق بضبط مواد مخدرة داخل سيارة يستخدمها أكثر من شخص. قد يرد اسم مالك المركبة في المحضر بسبب ملكيته للسيارة، من دون أن تثبت هذه الملكية وحدها علمه بوجود المواد المخدرة أو مشاركته في الجريمة. ظهور الاسم في أكثر من ملف لا يحسم، بحد ذاته، مسؤوليته الجزائية، لكنه قد يصبح مؤثراً في حال اعتُبرت الملاحقات المتكررة معياراً لاستبعاده من العفو.
توضح هذه الأمثلة الافتراضية الفارق بين مجرد ذكر الاسم في محضر، وفتح ملاحقة قضائية، وصدور حكم بالإدانة. فالمحضر الأمني قد يتضمن أسماء أشخاص لأسباب مختلفة، بينما تحتاج الملاحقة إلى مسار قضائي، ولا تثبت المسؤولية الجزائية إلا وفق القواعد والإجراءات التي تحكم المحاكمة والإدانة. لذلك، يصبح تحديد المقصود بالملاحقة في قانون العفو مسألة جوهرية، خصوصاً عندما يؤدي احتسابها إلى حرمان شخص من الاستفادة من القانون.
يحذر مصدر قضائي رفيع من أن تطبيق هذا البند قد يصبح أكثر تعقيداً مع كثرة الملفات وتعدد الجهات التي تحتفظ بالمعلومات. ووفق معلومات قضائية، يجري التدقيق يدوياً في معظم الحالات، ما يجعل مطابقة الأسماء والتثبت من هوية الأشخاص ومآل كل ملف خطوات ضرورية قبل تحديد ما إذا كانت الحالة تدخل ضمن الاستثناءات.
تفرض عملية التدقيق أيضاً التمييز بين الملفات المفتوحة، والأحكام النهائية، والقضايا التي انتهت بالحفظ أو البراءة أو بأي إجراء آخر. فاعتماد قاعدة واحدة على جميع الملفات من دون النظر إلى مآل كل قضية قد يؤدي إلى نتائج مختلفة بحسب طريقة تفسير النص، بينما يتطلب تطبيق العفو تحديد الأساس القانوني الذي يسمح باحتساب كل ملف ضمن معيار التكرار.
زار النائب العام التمييزي، القاضي أحمد رامي الحاج، غرفة العمليات المركزية المشتركة لإدارة ملفات العفو العام في قيادة الدرك بجسر الباشا، للاطلاع على التحضيرات الجارية. وتعمل الغرفة على جمع ملفات المحكومين والموقوفين، بما يشمل الأحكام والسجلات العدلية والمعلومات المتوافرة لدى الأجهزة المعنية، تمهيداً لفرز الحالات وتحديد مدى انطباق أحكام القانون عليها.
نشرت «ليبانون ديبايت» سابقاً أن مجلس القضاء الأعلى يدرس إصدار تعميم لتنظيم تطبيق القانون وتوحيد التعامل مع ملفاته. غير أن المصدر القضائي يوضح أن التعميم، في حال صدوره، يمكن أن ينظم الإجراءات العملية وآليات العمل، لكنه لا يستطيع أن يحل محل النص التشريعي أو أن يضيف شروطاً جديدة للاستفادة من العفو.
يظل تفسير النص وتطبيقه من اختصاص القضاء عند النظر في كل ملف، بينما يحتاج تعديل أحكام القانون أو إضافة قاعدة عامة جديدة إلى تشريع يصدر عن مجلس النواب. ويعني ذلك أن أي إشكالية تتعلق بمضمون الاستثناءات أو بطريقة احتساب التكرار لا يمكن حسمها بمجرد إجراء إداري إذا كان الحل يتطلب تعديلاً في النص نفسه.
ينتظر هذا الملف أيضاً قرار المجلس الدستوري بشأن الطعن المقدّم من «التيار الوطني الحر»، بعدما قرر المجلس وقف مفعول قانون العفو مؤقتاً إلى حين البت بالطعن. ويضيف هذا المسار الدستوري بعداً آخر إلى النقاش، إذ إن حسم دستورية القانون يسبق عملياً الانتقال إلى تطبيق نهائي ومستقر لأحكامه.
تكمن المعضلة في أن بنداً يمكن أن يؤثر مباشرة في مصير موقوفين ومحكومين لا يحسم بصورة تفصيلية كيفية التعامل مع كل أنواع الملفات، ولا يوضح بشكل كافٍ موقع القضايا التي لم يصدر فيها حكم، أو تلك التي انتهت بالحفظ أو البراءة، عند احتساب التكرار. ومع بقاء هذه المسائل مفتوحة على التفسير، يصبح توحيد المعايير بين الملفات ضرورة لتجنب اختلاف النتائج في حالات متشابهة.
يتوقف جزء أساسي من مصير المستفيدين المحتملين من قانون العفو على كيفية ترجمة النص إلى إجراءات عملية، وعلى قدرة الجهات المعنية على التحقق من كل ملف بصورة منفصلة، بعيداً عن مساواة الملاحقة بالإدانة أو التعامل مع مجرد ورود الاسم كدليل على المسؤولية. وفي انتظار حسم المسار الدستوري وتوضيح آليات التطبيق، يبقى «التكرار» إحدى أكثر نقاط القانون حاجة إلى تفسير دقيق وواضح.